الرئيسيةتقارير و تحقيقات

معاناة “الدفتر البحري” بإقليم الفحص أنجرة.. إصرار على تعذيب السكان أو إغراقهم بالبحر..

طنجة أنتر – أ. مرادي:

قبل مائة عام بالتمام صدر الظهير الشريف المؤرخ ب 22 جمادى الاولى 1340 (22 يناير 1922) الملزم لكل مغربي مزاول للملاحة بالتوفر على بطاقة مهنية بحرية.

لكن الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق التابعة، لإقليم الفحص أنجرة، التي لا تبعد عن أوربا سوى بـ14 كيلومترا، لازالت تعيش وكأنها داخل فقاعة زمنية معزولة عن الحاضر ولم تصلها بعد رياح التغيير والعصرنة في زمن أصبحت فيه الرقمنة والإدارة الالكترونية منتشرة في كل مكان.

خير دليل على ذلك هي حكاية بحارة المنطقة مع الدفتر المهني البحري، بعد قرن كامل من صدور القانون المنظم لمهنة الصيد البحري، بحيث هناك حكايات تحتاج إلى مجلدات لسردها، فكل الإجراءات المتعلقة بالدفتر البحري لا تنجز على تراب الإقليم، بل تحال على مندوبية الصيد بمدينة طنجة المجاورة، إجراءات في معظمها بسيطة، لكنها عبارة عن نفق طويل جدا من المعاناة و”سير وآجي”، وسير حتى من بعد، والسيستيم خاسر، ومشا الريز، وكل هذا يدل على أن هذه العمالة الوهمية مشا لها الريزو منذ زمن طويل.

إن عملية ختم أو إمضاء وثيقة بسيطة تتطلب في العادة بضع دقائق أو ثواني تتحول إلى عملية ماراثونية من عدة أيام، وأحيانا يتطلب ذلك إنزال بحارة وتغييرهم بآخرين أو أخذ عطلة إجبارية وتنقل البحارة و(الرايس) ورب المركب حتى مدينة طنجة من أجل تسلم الوثائق شخصيا.

لقد أصبح الحصول على الدفتر المهني البحري في هذه المنطقة أصعب من الحصول على بيضة الديك، فكبار السن من البحارة القادرين على العمل لا تجدد لهم الوثيقة بحجة وصولهم سن التقاعد، والشباب المقبلون على سوق الشغل لا يرونها مطلقا، فالحصول عليه مشروط بدراسة ودورات تكوينية لا يوجد مكان لتلقيها داخل إقليم بواجهة بحرية استراتيجية ومرافئ عملاقة مصنفة كأكبر مجمع مينائي بإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، ومع ذالك لا يتوفر على تكوين مهني بحري ولا على مندوبية إقليمية للصيد، وغياب العقار أو البناية كان دائما هو المبرر الرئيسي لغياب جل الإدارات، تصوروا إقليما بكل هذه المساحات الشاسعة يتعلل بغياب العقار لإقامة إدارات ضرورية جدا للسكان، بينما كل مسؤول في الميناء المتوسطي يتوفر على مكتب مساحته أكبر من ملعب محمد الخامس بالدار البيضاء. أما الإجراءات الأكثر تعقيدا كنقل الملكية أو تجديد المركب فتستغرق أحيانا عدة أسابيع.

والمثير أنه بعد عملية بناء مرسى الصيادين بالدالية أقامت مؤسسة طنجة المتوسط للتنمية البشرية بناية خارجة عن التصميم الأولي للمشروع ودون الحصول على رخصة من الجماعة، وفي الأخير احتفظت بالمنشأة لنفسها، وهذه المؤسسة الأكبر بالإقليم لا تهتم بالدفتر الأزرق الخاص بالبحارة من أجل كسب لقمة عيشهم في منطقتهم بقدر اهتمامها باللواء الأزرق الاستعراضي.

الدفتر البحري دائم ومستدام ويمكن اعتباره العمود الفقري للتنمية، لما له من دور في تكوين البحارة بالتدرج وتأهيلهم ومحو أميتهم المعرفية والوظيفية، فهو بطاقة هوية البحري وحالته المدنية ودفتره الصحي وطوق نجاته من البطالة وصمام الأمان للشباب المغادر للمدرسة، ففي غيابه يصبح البحر مقبرة الشباب عوض أن يكون بابا لرزقهم، فضحايا الهدر المدرسي ممن تغلق الأبواب في وجوههم أول ما يفكرون به هو الهجرة عبر البحر (الحريگ)، ولذلك فإن من يحرمون شباب الإقليم من الحصول على الدفتر المهني يساهمون من حيث يدرون أو لا يدرون في موت العديد منهم غرقا.

ومن الغريب أنه في الوقت الذي يتم فيه إغلاق الأبواب أمام شباب المنطقة في العمل في المشاريع المرتبطة بالميناء المتوسطي أو غيره، فإن “الدفتر البحري” يبقى هو الحل للكثير من الشباب من أجل إمكانية العمل على متن قوارب الصيد التقليدي رغم شقائه وصعوبته، ومع مواصلة التدريب والتكوين يمكنهم تحسين وضعيتهم والعمل على بواخر وسفن في أعالي البحار، أو العبّارات السياحية وبواخر المسافرين والسفن التجارية وناقلات البترول، لكن هناك إصرار غريب على تهميش شباب المنطقة بأسلوب شيطاني ماكر، وحتى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية، لا تتوفر على مندوبية لها بالقصر الصغير.

إنها مؤامرة متكاملة في إقليم بلا رأس، إقليم تحكمه المصالح وجمع الملايير والاغتناء على حساب سكانه البسطاء، الذين تم سلب أراضيهم بحجة المنفعة العامة، وفي النهاية ظهر المليارديرات الجدد من قلب مأساة السكان.

إنه المغرب.. فلا تستغرب.. !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى