رأي

عفا الله عما سلف.. في الجزائر..!

صابر بليدي

أفرج عن وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي، كما أفرج عن آخرين وكما سيفرج عن البقية، لتبقى شعارات الحرب على الفساد مجرد مواويل رددت لسنوات من أجل تنويم الشارع وترتيب الأوراق التي هزها الحراك الشعبي، وتتأجل بذلك فرص ردم الهوة واستعادة الثقة بين الشعب والسلطة.

من السهل جدا أن تشعل الحرب لكن من الصعب كذلك إطفاؤها، وذلك ما تسير إليه على ما يبدو معركة الحرب على الفساد في الجزائر، لأنه كلما تعلق الأمر بالرؤوس الكبرى ينقلب الأمر وتتعاكس الشعارات والخطابات، بينما يأخذ القانون طريقه للنفاذ كلما كان الفاسد ضعيفا أو خصومه هم حكامه.

وتكاد صحيفة “الوطن” الفرانكفونية تلفظ أنفاسها الأخيرة، بسبب مواقفها وخط تحريرها تجاه السلطة وتجاه الحرب على الفساد، فقد كان تحقيق صحافي حول ثروة عائلة القائد السابق للجيش الفريق الراحل أحمد قايد صالح كافيا لأن يعصف باتفاق الإعلانات الذي أبرمته مع الوكالة الحكومية، والعودة إلى خط الأزمة القاتل، وكان كافيا أيضا تصريح لمدير سابق للوكالة المذكورة حول صحيفة ابن الضابط المذكور لتنحيته من منصبه.

وكما تفاجأ مؤيدو السلطة قبل معارضيها بخبر الإفراج عن الوزيرة السابقة للثقافة، من الوارد جدا وجود مفاجآت أخرى في الأفق بإطلاق سراح رموز أخرى دعت الضرورة لأن يعاقبوا بالسجن من أجل ترتيب أوراق النظام واحتواء فورة الشارع، فهناك أحاديث عن الإفراج عن هذا الاسم أو ذاك، أو أن الملف الصحي يستدعي نقله إلى إقامة خاصة خارج السجن.

هكذا يحارب الفساد بالعفو عن المفسدين، وهكذا يتأكد شيئا فشيئا أن شعارات “المرحلة الجديدة والعصابة السابقة” ما هي إلا ذر للرماد في عيون الذين استغفلتهم السلطة، فاعتقدوا أن البلاد تسير إلى مرحلة جديدة، وإلا كيف يفرج عن وزيرة كيلت لها تهم الفساد وتبديد المال العام، دون تقديم توضيحات للرأي العام.

الكثيرون دعوا إلى ضرورة التمييز بين تصفية الحسابات السياسية أو ترتيب الأوراق، وبين شعارات الحرب على الفساد، لأن المسألة تستدعي إحلال القانون والشفافية والدفاع عن حقوق الشعب وحقوق الأفراد، فمن غير المعقول التضحية بالمال العام لأجل عيون متهم، أو ظلم الناس تحت طائلة الحرب على الفساد.

لقد أطلق سراح وجوه من السلطة أو مقربين منها، ولا أحد يعلم سبب سجنهم أو الإفراج عنهم، وصاحب القرار إما هو متواطئ مع هؤلاء، ولا بد من سقوطه كما سقط أسلافه، أو أنه أنجز نصف المهمة، لأن المنطق يستدعي محاكمة من حكم بالسجن في وقت سابق على هذا المسؤول أو ذاك، لأنه ذهب شططا في تطبيق القانون أو الاستماع إلى التعليمات.

لا أحد في الجزائر بإمكانه تقدير حجم الفساد والمفسدين لأن المرحلة الماضية كانت تستهدف إشاعة الظاهرة أفقيا وعموديا، وحتى الرئيس عبدالمجيد تبون، الذي يعتبر أحد الذين تدرجوا في سلم المسؤولية على مدار أربعة عقود، يعترف بأن تضخيم الفواتير كان يقدر بنحو الثلث، وبعملية بسيطة فإن الجزائر ضيعت حوالي 300 مليار دولار منذ مطلع الألفية.

هنا تظهر شرعية ومشروعية مطلب التغيير الشامل الذي رفعه الحراكيون، لأنهم يدركون أن صناعة السفينة الجديدة لا يتم بالخشب القديم، وحتى رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى، صرح من قفصه متسائلا ومتعجبا “كم ضيعت الجزائر من أموال في قطاع البناء والبنى التحتية؟”، وهو تلميح لرئيس الجمهورية نفسه، على اعتبار أنه كان وزير السكن والعمران خلال الحقبة البوتفليقية.

واعترف أيضا بأنه “تسلم 30 قطعة معدنية من الذهب كعمولة، وقد باعها في السوق السوداء بنحو مليوني دولار”، وهذا غيض من فيض، لأن المسؤولية مورست بالفساد والإفساد، سواء كان هؤلاء في السجن أو خارجه، أفرج عنهم أو في انتظار الإفراج، ولذلك فإن كل ما في الأمر هو التفاف على الحراك وليس تحقيق مطالبه كما تدعي أبواق السلطة.

الثابت، بالإفراج التدريجي عن رموز المرحلة السابقة، أن السلطة بصدد تجديد وإعادة إنتاج نفسها، وليس تغيير منظومة الحكم وإدارة الشأن العام، فقد قيل الكثير عن التظاهرات الثقافية الكبرى التي نظمتها البلاد تحت إشراف الوزيرة خليدة تومي، وعن الأرقام الفلكية للأموال التي أنفقت عليها، لكن في النهاية ما الذي تحقق من كل هذا؟ نسف المال العام وأفقر القطاع، وحكم على الوزيرة بأربع سنوات سجنا نافذة، قضت منها أقل من ثلاث سنوات.

منظومة الفساد المتغلغلة ولدت ذهنية لدى الفرد الجزائري، وهي الاستعداد لعقوبة السجن إذا كان الأمر يتعلق بأموال طائلة، فالكثير مستعد لأن يقضي سنوات معدودة في السجن مقابل ملايين من الدولارات، خاصة إذا كان المبلغ المذكور غير متاح تحصيله في الحياة والنشاط العادي والشرعي.

ورغم أنه لا يزال يقبع في السجن ومن الوارد أن يكون طليقا في المستقبل القريب، إلا أن جملة المدير السابق للأمن الجنرال عبدالغني هامل “من يريد أن يحارب الفساد عليه أن تكون يداه نظيفتان” تبقى أكثر شهرة ودلالة على واقع الفساد في البلاد، وهو ما لم يتم التوصل إليه إلى حد الآن لأن السلطة تريد إعادة إنتاج نفسها وليس التغيير الحقيقي، فالفاسد أو المشبوه بالفساد لا يمكن أن يحارب الفساد، فالمسألة تتطلب إرادة سياسية قوية وقضاء مستقلا وإعلاما حرا ومجتمعا مدنيا حقيقيا، وما عدا ذلك فهو ذر للرماد في العيون.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى