الرئيسية / مجتمع / “عسر الجماع” مرض تعاني منه الكثير من النساء.. لكنه مسكوت عنه

“عسر الجماع” مرض تعاني منه الكثير من النساء.. لكنه مسكوت عنه



من المشاكل الجنسية الأكثر شيوعا بين النساء خلال العقدين الأخيرين يوجد مرض “عسر الجماع”، وهو، كما يشرحه اسمه، يتلخص في آلام تعاني منها المرأة قبل أو أثناء أو بعد الاتصال الجنسي، وذلك عبر آلام حادة و متكررة خلال الاتصال الجنسي خصوصا عند الإيلاج وحرقة مصحوبة باحمرار موضعي.
حسب الخبراء والباحثين فإن نسبة انتشار هذه الظاهرة بين النساء تصل إلى 30%، وتبقى أسبابه غير تامة الوضوح، لكن تميل أغلب الأبحاث والدراسات الطبية إلى تغليب الأسباب العضوية دون تجاهل للعامل النفسي.
هذه الحالة المرضية مستشرية بحدة بين النساء على اختلاف أعمارهن، ومن بين ابرز أسبابها التهاب قناة المهبل، وهو عارض يصيب، على الخصوص، النساء “النشيطات” جنسيا، أي اللائي تتراوح أعمارهن بين سنوات البلوغ الأولى وسن الخمسين.
يتمظهر هذا المرض في آلام حادة نسبيا، مجهولة المصدر على مستوى مهبل المرأة، تؤثر سلبا على صحتها الجنسية والنفسية، فتصبح المرأة معرضة بقوة لمشاكل مرتبطة بالعلاقة الحميمية حيث تسبقها عادة أحاسيس مزعجة كالقلق والتوتر، وتليها مشاعر أخرى بعد فشل المرأة في بلوغ المتعة الجنسية، كبوادر الاكتئاب وضعف الرغبة الجنسية، الأمر الذي يحدث خللا حقيقيا في علاقتها مع الشريك.
ومع مرور الوقت وتكرار المحاولات الفاشلة تأخذ هذه المشكلة أبعادا أخرى عاطفية واجتماعية، فلا يخفى على أحد أهمية العلاقة الجنسية في توازن واستقرار العلاقة العاطفية بين الشريكين، فكثرة المشاكل في هذا الجانب الحساس تنعكس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على سلامة العلاقة العامة بين الزوجين.

إرهاق وألم وحرقة
“من أجل تشخيص صحيح لعارض الالتهاب المهبلي، تقول الدكتورة مارغاريتا بينيدكتو، وهي طبيبة نساء بالمستشفى الجامعي “موستوليس” بمدريد، يجب توفر ثلاث أعراض مجتمعة وهي ألم حاد عند إيلاج القضيب الذكري، وترهل نسبي في النسيج العضلي للتجويفات الداخلية لقناة المهبل، وحرقة مصحوبة باحمرار بكل أو بأجزاء الفرج الأنثوي.”
لكن لا يمكن التحدث عن عارض التهاب قناة المهبل بمعزل عن أعراض أخرى مشابهة تدخل كلها ضمن التشخيص السريري لمجموعة أمراض التهابات المهبل (فولفودينيا)، التي تصيب بين 10% و 15% من السيدات اللائي سبق أن أجرين فحوصات طبية في عيادات مختصة في أمراض النساء والتوليد بعد أن أحسسن بأعراض غريبة خلال علاقاتهن الجنسية، منها عدم الراحة وآلام وحرقة موضعية بالمهبل.
ويسجل الأطباء، في أبحاث ودراسات جامعية أجريت بهذا الصدد، جهل أغلبية النساء بأعراض مرض عسر الجماع بسبب ضعف التوعية به إعلاميا، وأيضا بسبب سوء التشخيص الطبي في بعض الأحيان. ويقر الأطباء بأنهم غالبا ما يواجهون صعوبات في تعريف المرض للمريضات و في إقناعهن بطرق العلاج، وهذا راجع بالأساس لماهية المرض المعقدة، سواء من حيث أعراضه أو مسبباته أو سبل العلاج منه.
في العديد من الحالات المرضية، توضح الدكتورة بينيدكتو، تعاني النساء من نفس الأعراض المذكورة بصورة متكررة، لكن عند الفصح الإكلينيكي الدقيق للمهبل يتضح خلوه من أية علامات مرضية محلية حيث الأمور طبيعية و عادية جدا، وهنا تتقوى فرضية تدخل العامل النفسي في ظهور المرض و تطوره.

دراسات و أبحاث
في العدد الأخير من المجلة العلمية العالمية “يومية الطب الجنسي”، نشرت نتائج دراسة أعدها باحثون من شعبة علم النفس بجامعة مونتيرال بالولايات المتحدة الأمريكية، والذين درسوا وعاينوا عشرات الحالات لمريضات مصابات بعسر الجماع واستفسروا منهن عن معلومات شخصية واجتماعية، كما عبأن استمارات خاصة معدة لهذا الغرض تضم أسئلة عن تفاصيل علاقاتهن مع شركائهن والظروف العامة التي يمارسن فيها العلاقة الحميمة، ثم عبرن في فقرة أخيرة عن انطباعاتهن وتمثلاتهن المسبقة عن العلاقة الجنسية ومدى تجسدها في واقعهن المعاش.
نتائج هذه الدراسة أثبتت تدخل العامل النفسي لدى المرأة وشريكها على حد سواء في ظهور مرض عرس الجماع عند عدد مهم من الحالات المرضية المدروسة. لذا عمل هؤلاء الباحثون على إعداد توصية، نشرتها المجلة ضمن نفس العدد، تنصح الأطباء المختصين في أمراض النساء والأمراض الجنسية بضرورة وضع العامل النفسي في الاعتبار واستشارة طبيب نفسي أثناء تشخيص المرض، خصوصا خلال مراحل العلاج.
في نفس الاتجاه يسير خافيير مولينا، عالم النفس المتخصص في المشاكل الجنسية عند دراسته المستفيضة لأعراض مرض عسر الجماع. لكنه ركز على العواقب النفسية للمرض لدى الشريكين خصوصا عند المرأة، والتي تتجسد في عدم فهم أعراض المرض وحيرة شديدة يتلوها بحث حثيث عن الحلول. “أبرز التأثيرات النفسية التي تعاني منها المرأة المصابة بهذا المرض، يوضح الأخصائي النفسي خافيير مولينا، هي القلق الذي يسبق كل مرة الاتصال الجنسي الذي يؤدي، مع مرور الوقت، إلى فتور في العلاقة الجنسية، فتضمحل الرغبة الجنسية تدريجيا لدى المرأة ليحل محلها الخوف من الفشل، وهكذا تتسع الهوة بين الشريكين فيزداد التباعد بينهما، وهنا يكمن بيت القصيد، لأن دور الشريك في الشفاء من هذا المرض هو أساسي حيث من المفروض عليه فهم مرض شريكته دعمها في مسيرة العلاج، كما يلزم عليه مرافقتها لزيارة الطبيب بانتظام والإنصات لنصائحه والعمل بها”.
جل الأبحاث و الدراسات المنجزة حول مرض عسر الجماع أجمعت على إجبارية الدعم النفسي للنساء المريضات. فإذا كانت الأسباب المباشرة للمرض لا زال يعتريها الكثير من الغموض، حيث يصفها الخبراء الطبيون بكونها متداخلة بين ما هو وراثي وهرموني وعصبي وعضلي. خيار المصاحبة النفسية للمرأة المريضة يكون مفيدا لها سواء كان سبب المرض مشكلا نفسيا أم لم يكن، فعلى الأقل ستساهم في عدم تطور المرض واستفحاله وتساعد المرأة على مواجهته وتعينها في التغلب على الخوف لأجل تقبل العلاقة الجنسية والتصالح معها، ومن ثمة المحافظة على الشريك.

سبل العلاج
أول خطوة في طريق علاج ناجح للمرض هو معرفته، فقد أضحى ضروريا على النساء التعرف على هذا المرض وعلى أعراضه لأنه لم يبق مرضا ثانويا، فقد انتشر بصورة كبيرة في السنين الأخيرة، ووتيرة شيوعه بين النساء تزيد سنة تلو أخرى.
ثاني خطوة يلزم على المرأة القيام بها عند إحساسها بأعراض المرض هي زيارة طبيب اختصاصي في أمراض النساء. وعند التشخيص السريري، يمكن للطبيب أن يجزم هل يتعلق الأمر فعلا بمرض “عسر الجماع” أم بأمراض أخرى شائعة تصيب الجهاز التناسلي عند المرأة والتي يتيسر علاجها سواء بواسطة الأدوية أو بتمارين عضلية منتظمة أو، إذا اقتضى الأمر، عن طريق تدخل جراحي موضعي غالبا ما يكون بسيطا دون خطورة تذكر.
أما إذا تأكد الطبيب من سلامة مهبل المرأة من أية مضاعفات مرضية عضوية، فإنه يرجح بقوة إصابتها بمرض عسر الجماع، فيكون مضطرا لعرضها على طبيب نفسي أو أخصائي جنسي.
لكن ما يجب الإشارة إليه في ما يخص أساليب علاج هذا المرض هو بيان الجمعية الدولية لأطباء النساء والتوليد بروما، والذي حذر من بعض الطرق العلاجية التي أثبتت التجارب الإكلينيكية محدوديتها وضعف فعاليتها، مع أن بعضها قد يكون مكلفا جدا للمريضات دون نتائج حقيقية أو بنتائج وهمية كاذبة تكون مؤقتة، لكن تعود أعراض المرض بالظهور بعد مدة.
من وسائل العلاج غير المنصوح باتباعها، الحقن بالكحول أو ما يطلق عليه طبيا “طريقة ميرين”، والتي أثبتت الدراسات الحديثة عدم جدواها، بل إنها قد تتسبب في نشوء ورم دموي في النسيج العضلي لمهبل المرأة.
التدخل الجراحي الحاد هو الآخر ينصح الأطباء بتجنبه بسبب نتائجه الهزيلة مقارنة بتكلفته الباهظة. كما دعا بيان روما المريضات إلى تفادي استعمال المرهمات و”الكْريمات” الموضعية بشتى أنواعها لأنها، بكل بساطة، لم تقدم أبدا نتيجة علاجية فعلية، بل بالعكس في بعض الحالات ثبتت مسؤوليتها في تفاقم لأعراض المرض وزيادة في حدة آلام الجماع.
طريقة أخرى لم تثبت نجاعتها هي العلاج التكاثفي الموضعي للمهبل باستعمال ليزر ثاني أوكسيد الكربون، فهذه الوسيلة العلاجية أدت عند بعض الحالات إلى الزيادة في الإحساس بالحرقة المهبلية.
العلاج الوحيد الذي حصل على نتائج لا بأس بها هو الجراحة باستعمال الليزر الصابغ بالمصباح الكشاف، غير أنه هو الآخر لم ينل رضا الأطباء المختصين بعد اكتشافهم مؤخرا لآثاره الجانبية الخطيرة المتمثلة على وجه الخصوص في تكون خلايا بكتيرية ضارة.
ويبقى العلاج باستعمال الأدوية المضادة للاكتئاب هو أقل الطرق العلاجية انتقادا من طرف الأطباء غير أنهم لا ينصحون به في الحالات الصعبة عندما تكون أعراض المرض حادة جدا. أما في الحالات التي تعاني فيها المرأة من آلام ضعيفة إلى متوسطة، فإن الخبراء لا يجدون مانعا في تعاطيها، وهي حبوب تستهدف الجهاز العصبي عند المرأة، وبالضبط المرسلات العصبية مثل “السيروتونين” و”الأدرينالين” التي تنقل إلى الدماغ رسائل مبدلة من الألياف المؤلمة فيختفي الإحساس بالألم. فهذه الطريقة العلاجية نجحت عند أغلب الحالات، لكن يبقى التباين بينها في مدد العلاج التي تتراوح بين ستة أشهر وسنة، أما عيبها الوحيد فهو احتمال تعود الجهاز العصبي على هذه الأدوية فيستعصى على المريضة الإقلاع عنها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى