الرئيسيةبروفيل

السفيرة كريمة بنيعيش.. امرأة برتبة جنرال

طنجة أنتر: ح. اعديل

من يزعم أنه كان يسمع باسم كريمة بنيعيش قبل اندلاع الأزمة الطاحنة بين الرباط ومدريد، والتي انتهت بسلام الشجعان بعد عام كامل من الكر والفر..؟

قليلون قد يفعلون ذلك، وحتى عندما تم تعيينها سفيرة للمغرب في البرتغال سنة 2008 فإن كثيرين، أيضا، اعتقدوا أنها امرأة نالت حظها من “الكوطا” النسائية، مثلما يحدث في البرلمان، وأن مهمتها في مدريد لن تخرج، في الغالب، عن لبس قفطان مغربي مزركش والظهور في حفلات استقبال في الأعياد الوطنية المغربية، على نغمات الطرب الأندلسي.

لكن بعد ذلك بدا الوضع مختلفا، فهذه المرأة، نصف التطوانية ونصف الغرناطية، والرباطية المنشأ، استطاعت أن تخطف الكثير من الأضواء في عز الأزمة بين إسبانيا والمغرب بعد استضافة مدريد لزعيم الانفصاليين، إبراهيم غالي، للعلاج في أحد مستشفياتها، بعد أن دخل البلاد باسم مستعار، مثل أي لص هارب من الملاحقة.

كريمة بنيعيش كانت معروفة أكثر عبر شقيقها الأصغر محمد فاضل بنيعيش، السفير المغربي السابق في إسبانيا، وهما من بين ثلاثة أبناء لفاضل بنيعيش الأب، الذي تعرّف على كارمن ميان، في كلية الطب بغرناطة، التي صارت لاحقا الزوجة والأم.. والأب أيضا.

محمد فاضل وكريمة كانا من أبرز ضحايا الانقلاب العسكري في الصخيرات صيف سنة 1971، في الذكرى الثانية والأربعين لميلاد الحسن الثاني، حين قتل والدهما وهو في السابعة والثلاثين من عمره، حين كان يحضر حفل الاستقبال في قصر الصخيرات، الذي تحول إلى مأتم.

يومها كانت كريمة في العاشرة من عمرها بالتمام. منذ ذلك الوقت، عاشت كريمة وشقيقيها في القصر الملكي، كابنين مبجلين للملك الراحل الحسن الثاني، وكشقيقين للملك محمد السادس، ولم يكونا يحسان بوحشة ثقافية أو اجتماعية، مع ولي العهد آنذاك، الذي كان عاشقا للغة الإسبانية وشغوفا بالحديث بها، ولا يزال كذلك إلى الآن.

مرت مياه كثيرة من تحت الجسر، وها هي كريمة لا تزال تتحدث الإسبانية بطلاقة أهل غرناطة، ملة أمها الغرناطية. ما يمنح للسفيرة بنيعيش وهجها ليس فقط لأنها أول سفيرة مغربية امرأة في المملكة الإسبانية، بل لأنها تتحدث الإسبانية بلكنة إسبانية خالصة، أفضل من كثير من الإسبان، والأكثر من هذا أن لغتها ليست دبلوماسية بما يكفي، بل إنها ذكرت الإسبان، طوال مراحل الأزمة، أن الكثير من الأشياء تغيرت، وأنه من الأفضل لحكومة مدريد، حاليا ولاحقا، أن تتصرف مع المغرب من منطلق مختلف تماما، وكذلك كان.

بنيعيش، الناطقة بإسبانية محصنة، تتكلم الفرنسية أيضا بطلاقة، فقد حصلت على دبلوم الدراسات العليا في القانون من جامعة مونريال في كندا، إقليم الكيبيك، كما أنها تتحدث البرتغالية بشكل جيد، فقد كانت سفيرة للمغرب في البرتغال. لكن اللغات لا تهم كثيرا، فما يهم هو ما يوجد في أحشاء اللغة، كما أن اللغة حمّالة أوجه،

واللسان الذي ينطق كلمة “ورد”، هو نفسه اللسان الذي ينطق كلمة “شوك”. ونتذكر كيف أن بنيعيش وعدت بتحسين العلاقات المغربية الإسبانية إلى درجة غير مسبوقة حين قدمت أوراق اعتمادها للعاهل الإسباني فليبي السادس في يونيو 2018، وبعد ثلاث سنوات من ذلك كانت السفيرة كريمة أكثر كرما في إيقاظ الإسبان من سبات تفوقهم وأحلام عجرفتهم التاريخية اتجاه المغرب.

ربما لهذا السبب يبدو الإسبان مندهشين أمام كريمة بنيعيش أكثر من اندهاش المغاربة. فقد تعوّد الجيران على صياغة تصورات خاصة بالمغرب، حسب ما يحلو لهم، وأكثر ما تخيلوه هو صورة المرأة المغربية، التي يعتبرونها أمية أو نصف متعلمة وخنوعة ومحكومة من رجل قاس وفظ وجاهل، وربما يسعدهم أن يروا صورة المرأة المغربية على شاكلة آلاف النساء الموسميات اللواتي كن يدخلن سبتة ومليلية كل صباح لحمل أطنان البضائع على ظهورهن، أو آلاف العاملات في حقول الفراولة.

ورغم أن هؤلاء النساء كريمات ومكافحات وصبورات، إلا أن الإسبان، أو أغلب الإسبان، يتمنون لو أن كل نساء المغرب تكون مهمتهن فقط ترويج بضائعم في الأسواق أو جني الفراولة في حقولهم، وليس سفيرة تذكرهم بنهاية زمن العجرفة. المهم.. أن الإسبان يحسون أن كريمة بنيعيش خدعتهم.. كنوا يريدونها امرأة بالقفطان.. فتحولت إلى امرأة برتبة جنرال..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى