الرئيسية / نوافذ / السؤال الكبير: أين اختفت المدافع التاريخية لطنجة..؟!

السؤال الكبير: أين اختفت المدافع التاريخية لطنجة..؟!



طنجة أنتر:

شكلت طنجة عبر التاريخ قلعة لمقاومة الغزاة، ولذلك ظلت في العصور الحديثة بعد انسحاب الاستعمار البرتغالي والإنجليزي حافلة بأنواع من الأسلحة المتخلى عنها، كما أضيفت إليها الأسلحة التي استعملها المغرب في تطوير ترسانته العسكرية خلال المراحل اللاحقة من أجل تعزيز حصن طنجة، ويتمثل ذلك في مئات المدافع التي كانت موزعة على أسوار المدينة وأبراجها مثل برج الحجوي بباب المرسى، وبرج النعام في القصبة، وعلى مراكز أخرى مثل قلعة دار البارود، وساحة القصبة، ومنطقة مرشان، والمندوبية، وسيدي المناري،وباب القصبة.

كانت هذه المواقع تحتفظ بعدد كبير من المدافع المتفاوتة الحجم، بعضها من صنع محلي والبعض الآخر مستورد من الدول الأوربية، منها المدافع الضخمة التي كانت تغطي فضاء دار البارود، وكذلك المدفعان الكبيران الموجودان في برج الحجوي بباب المرسى. فهي من الصنف المتطور في ذلك الوقت، لأنها كانت شبه متحركة فوق سكة دائرية من أجل توسيع مجال القصف ومواجهة قوات العدو بشكل أدق.

وكانت كلها موجهة نحو البحر لحماية الشواطئ المغربية .. كما كان برج دار البارود محصنا بكل أنواع الراجمات التي ظلت قائمة لمدة طويلة إلى أن بدأ تفكيكها وتحويلها إلى خردة تباع في الأسواق. وقد كان السبيل في البداية هو الإهمال وغياب الصيانة والحفظ من تأثيرات الرطوبة .. ثم حلت المرحلة الأخيرة التي اقترنت بشن هجوم كاسح على تلك الآليات من طرف اللصوص والمنحرفين الذين شرعوا في هدمها وتفتيتها وتقطيعها بالمناشير إلى أن أتوا على أغلبها، ولم يتبق منها إلا أجسام مشلولة مشوهة.

وكل ذلك يتم في غفلة من المسؤولين الذين قصروا في حماية هذا الموروث التاريخي، ونفس الأمر ينسحب على مدافع باب المرسى التي تعرضت لذات المصير وأصبحت بدورها فاقدة لصورتها الأصلية التي كانت يوحي بمظهر القوة والأبهة والهيبة. وإلى وقت قريب كانت تلك المدافع ما زالت محافظة على محتوياتها، كما كانت محاطة بأكوام من “الكور” الذي كان يستعمل خلال الحروب . لكننا الآن نقف أمام آليات معطوبة مشوهة، بعد تعريتها من محتوياتها ومن القطع المكونة لها..


أما الصنف الثالث من المدافع فقد ارتبط بمرحلة الاحتلال الإسباني لطنجة سنة 1941، فحينما انسحب الجيش الإسباني ترك مخلفات مهمة من المدافع والراجمات موزعة على عدد من المراكز داخل المدينة وخارجها، كان من بينها مركز الغندوري الذي كان يضم عددا من المدافع المصفوفة تجاه البحر إلى جانب كثير من الأنفاق والمصدات والمباني .. وكل ذلك أصبح في خبر كان بعد أن التهمه البحر أو استبدت به الأطماع ..


كان للمدفع حضور في حياة ساكنة طنجة، لأنه كان وسيلة لإعلان مواقيت بداية الصوم والإفطار في رمضان، وفي مناسبات الأعياد انطلاقا من منطقة الحافة وهضبة مرشان .

وقد استمر هذا التقليد إلى الآن ولكن بنسبة أقل .. و الأساسي هو أن مشهد المدافع كان يؤثث عددا من الفضاءات التي كانت تحظى بالتقدير والعناية مثل ساحة 9 أبريل، وساحة إسبانيا، والميناء.

بعدها تم توسيع التجربة ليصل مداها إلى مناطق أخرى مثل الشاطئ وقلعة غيلان، وباب الولاية وسور المعكازين الذي يحتفظ اليوم بخمس قطع من الصنف النحاسي.. والمؤسف أن عددها في السنوات الأخيرة بدأ يتراجع، وخصوصا ذلك الصنف المصنوع من النحاس. فما كان يتم الكشف عنها في مكان حتى تختفي في ظروف غامضة ولا يبقى لها أثر .

وكان النوع الصغير الحجم أكثر تضررا نظرا لسهولة نقله وتهريبه إلى أماكن خاصة أو إلى أماكن إعداد الخردة وتسويق مادة الحديدة والنحاس التي يعاد صنعها لإخفاء أثر الجريمة .. ولم يفتح نقاش في يوم ما حول اختفاء هذه المدافع وكل ما يرتبط بها من تجهيزات مثل القنابل والكور .
وفي الوقت الذي يتحدث المسؤولون عن إحياء ذاكرة طنجة من خلال حفظ تراثها المادي، نجد أنهم يفرطون في هذا الجانب ويغضون عنه الطرف لأسباب غير واضحة . فلماذا لم يتم فتح تحقيق حول سبب اختفاء هذه الوحدات وتراجع عددها، علما أنها كانت تعد بالمئات لو وتمت العودة إلى أرشيف الصور .


وما زال الرأي العام يتساءل عن مآل المدافع التي كانت بجوار منارة الشاطئ التي تم هدمها .. كما يتساءل البعض حاليا عن سبب اختفاء مدفع من ساحة إسبانيا بعد انتهاء أشغال إعادة التهيئة، حيث إن العدد كان ثلاثة مدافع، ولم يتبق إلا مدفعان اثنان.


ولهذا يحق للرأي العام طرح عدة تساؤلات بخصوص هذا الموضوع :
فهل هناك إحصاء دقيق لهذه المدافع بكل أصنافها وأحجامها ضمن سجل ممتلكات المدينة الخاصة بالتراث المادي . ومن هي الجهة التي تحتفظ بهذا الملف وتمسك بتفاصيله. ثم ما هي الجهود التي بذلت للحفاظ على هذا الموروث؟، وما هي خريطة توزيعها الحالي داخل تراب المدينة؟ . وهل كل المدافع الموجودة ما زالت ملكا عموميا أم أن بعضها قد تحول إلى ملك خصوصي لبعض الأشخاص النافذين؟


وللتذكير ، فقد سبق للرابطة إثارة هذا الموضوع ضمن تقرير لها صدر سنة 2006 عملت من خلاله على رصد الأخطار التي تهدد تركة المدافع بالانقراض، انطلاقا مما كان يتعرض له برج دار البارود من تدمير وسرقة وتشويه متعمد للقضاء على معالمه. ولم يحرك أحد ساكنا آنذاك واستمر الوضع على ما كان عليه، فلم يتم التدخل إلا بعد فوات الأوان في سنة 2015، عندما طرح مشروع إعادة ترميم سور المدينة. فهل نجح هذا المشروع في معالجة هذا المشكل؟ الجواب قطعا هو لا، لأن معظم المدافع الموزعة حاليا على بعض الفضاءات تفتقر إلى الصيانة والحفظ، مما جعلها عرضة للتآكل تحت تأثير عوامل الطقس والتعرية. فقد تحولت إلى مجرد قطع صدئة في طريقها إلى التآكل والتحلل النهائي ثم الذوبان والدخول في طور النسيان…


وهل الأسلوب الأنسب هو الإبقاء على تلك المدافع منتصبة في العراء وسط الفضاءات العامة وفوق الأسوار وكأننا في حالة حرب؟، أفلم يكن الأجدى والأنسب من أجل المحافظة عليها عبر التاريخ، القيام بإنشاء متحف خاص بتاريخ المقاومة يضم أشكال هذه الأسلحة بشكل يحقق الاستفادة من وجودها وقيمتها المعنوية في ربط الماضي بالحاضر وأخذ الدروس التي تتحول إلى مصدر إلهام بالنسبة لكل الأجيال.. ؟ كلا ثم كلا، إن الإصرار على هذا الاختيار العبثي في التعامل مع التراث، يشكل قمة العبث، ويدل على العقم الثقافي والمعرفي الذي مني به مسؤولو هذه المدينة .
عن “المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى