الرئيسيةثقافة و فن

أسئلة حارقة حول تطوير المقاولات الصحفية بالشمال

الأمين مشبال:

أثارت الندوة حول “سبل تطوير المقاولة الصحفية” التي نظمتها النقابة الوطنية للصحافة ومهن الإعلام بتطوان بشراكة مع غرفة التجارة والصناعة لجهة طنجة- تطوان – الحسيمة، مساء الجمعة 24 يونيو الجاري، عدة إشكاليات تتعلق ببعض العوائق التي تحول دون النهوض بالمقاولة الصحفية في جهتنا عموما وفي إقليم تطوان تحديدا، بحيث يمكن للمتتبع والمطلع على الإعلام المحلي أن يجزم بدون تردد ولا مبالغة بأنه لا وجود لمقاولة إعلامية واحدة في تطوان!

كيف يمكن تصديق هذا القول ونحن نعلم بل ونتتبع منتوج العديد من المواقع الإخبارية التي تهتم بالشأن المحلي، ناهيك عن كوننا، بين الفينة والأخرى ،نشهد ميلاد موقع إخباري جديد،علما أن جميع هاته المواقع الاخبارية الجديدة تتوفر على كافةالشروط الشكلية القانونية اللازمة لمزاولة عملها وفي مقدمتها التوفر على مقاولة إعلامية ؟.

يمكن تحديد الاجابة،في نظري، على هذا التساؤل في ثلاثة عناصر رئيسة تتفاعل فيما بينها لتنتج واقعا مأزوما:

يعلم الجميع ان مدينة تطوان كانت تتوفر بداية الاستقلال على قطاع صناعي مهم (معمل الوقود،معمل السكر، معمل الورق…الخ)وعلى خط سكة حديدية مما كان يؤهلها لتحتل موقعا مهما ضمن النسيج الاقتصادي الوطني، وفي نفس الآن مركزا متقدما للإشعاع الإعلامي والثقافي، وتتوفر على نخب سياسية لا تقل مستوى عن تلك الموجودة في منطقة الحماية الفرنسية.بيد أن السياسة المتمثلة في إعطاء الأسبقية لمركز البيضاء القنيطرة على حساب المناطق الأخرى بالبلاد التي اتبعتها الدولة ولأسباب معقدة لا مجال للخوض فيها في هذا المقال.

فقد تزامنت حاجة الدولة المغربية عشية استقلال البلاد  لتثبيت سيادتها ومركزة قراراتها، في ظل وضع سياسي غير مستقروصراع محموم حول السلطة،مع تراجع دور النخب المحلية في الشمال عموما وتطوان خصوصا،وتخليها موضوعياعن الدفاع عن الخصوصيات الاقتصادية والثقافية للمنطقة(نخب ذات تكوين بالعربية واالاسبانية في الشمال مقابل نخب مفرنسة بالجنوب)،بحيث شكل اندماج وذوبان حزب الاصلاح الوطني ضمن حزب الاستقلال أبرز مثال عن ذلك المعطى التاريخي.

ساهم ذلك الاختيار السياسي بشكل كبير في إضعاف،إذا لم نقل، غياب الصوت التطواني في دوائر القرار المركزية.ومما زاد الطين بلة التسهيلات الضرائبية، التي منحت لطنجة (زيادة على توفرها على ميناء ومطار دولي، وربطها بالطريق السيار)، ناهيك عن منافسة شرسة ناجمة عن التهريب المعيشي وغيره من باب سبتة مع بداية السبعينيات، جعل الاقتصاد المحلي بتطوان يقتات أساسا من مداخيل سياحة موسمية وتجارة البضائع المهربة من سبتة ومن موظفي الدولة في مختلف الادارات العمومية(تعليم، صحة،أمن، جماعات محلية..).

من هنا فلقد نجم عن شبه غياب وحدات صناعية وقطاع اقتصادي مهيكل، انعدام الشروط المادية الضرورية لاقتصاد يحتاج للوسائط الاعلامية المقروئة والمسموعة والمرئية بغية الترويج لمنتوجاته، مما جعل سوق الإشهار،الذي لا غنى عنه للدورة الاقتصادية لكل مؤسسة إعلامية،شبه منعدم بمدينة تطوان ويخضع في غالبية الأحيان لشبكة العلاقات الشخصية.

2- عاش المغرب بعد الاستقلال وإلى حدود مطلع السبعينيات، أحداثا عنيفة ودامية (الريف 1958، انتفاضة 1965 بالبيضاء…)، ومحاولات للإستيلاء على السلطة بالعنف (المحاولات الانقلابية في يوليوز 1971 وغشت1972، أحداث 3 مارس 1973)، لكنه ومنذ منتصف السبعينيات، ومع بروز قضية الصحراء المغربية كمعطى سياسي وجيو استراتجي، عملت الملكية وأحزاب المعارضة(الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية) على طي صفحة الماضي وإبرام تحالف جديد على قاعدة الدفاع عن الوحدة الترابية وانفراج سياسي يؤدي إلى إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية المعطلة إثر الإعلان عن حالة الإستثناء في 1965. كما أن انتكاسة مشروع اليسار المغربي ،بتلاوينه المختلفة،في الاستيلاء على السلطة، بموازاة مع تحولات فكرية وسياسية في المغرب والعالم أصبح فيها منظور العمل والاصلاح من داخل المؤسسات، والذي لا يختزل التغيير في مسألة السلطة(رغم أهميتها) العنصر المهيمن في الفكر السياسي المغربي.

ضمن هذا السياق العام شهد المغرب صيف 1976، بداية انفتاح سياسي (سمي حينها ب”المسلسل الديمقراطي”) توج بالانتخابات الجماعية شهر نوفمبر من نفس السنة، تلتها الانتخابات التشريعية في يونيو 1977. ولقد كانت تلك المحطات الانتخابية انطلاقة بروز نخب سياسية جديدة /قديمة احتلت واجهة العمل السياسي محليا وجهويا ووطنيا.وللأسف الشديد، وأمام غياب الإرادة السياسية للدولة (وحتى لدى النخب السياسية)في تفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” وشعار”من أين لك هذا؟”،(اللهم في حالات معزولة)، تمييع العمل السياسي ببلادنا وتحوله تدريجيا إلى مجرد حلبة سباق للراغبين في الإرتقاء الاجتماعي والإثراء السريع عبر الظفر بنصيب من كعكة الوزارات والدواوين والبرلمان والمجالس المنتخبة(الاستثناءات في ظل هاته الشروط كانت وستبقى أقلية معزولة) .

هكذا تم استبدال وتعويض المناضل السياسي والمثقف صاحب الرؤية والبرنامج لدى تقديم الترشيحات، بل وحتى تدبير البيت الداخلي للأحزاب،  بالأعيان، وبما يصطلح عليه حاليا ب”مول الشكارة”. وللأسف لم تكن تطوان استثناءا في المشهد السياسي المغربي،إذ شهدت منذ انتخابات 1976و1983بروز كائنات انتخابية تصدرت المشهد الانتخابي، تحول العديد منهم ما بين عشية وضحاها إلى أثرياء وأصحاب مشاريع. كما تميزت بداية تسعينيات القرن الماضي  بتجربة زواج كاثوليكي، جمعت بعض سياسيي آخر ساعة، بزعامة ثعلب يجيد لعبة الظهور والاختفاء، وما بين لوبي العقار بالدرجة الأولى.

ضمن هذا المناخ الموبوء ، وسيطرة العقلية السياسوية البئيسة، مسخ العمل السياسي النبيل والتنافس الانتخابي الشريف، فتحولا لمجرد سوق موسمي تطغى عليه الأوراق الزرقاء والوعود الكاذبة، وأضحى الظفر بمقعد برلماني له ثمنه ورئيس جماعة ثمنه وهلم جرا.

من هنا فإن هذه النماذج من محترفي السياسة لم تضع يوما من الأيام ضمن أجندتها إقامة علاقة “شريفة” مع الصحافة والصحفيين، بحيث لم تفكر ولم تهتم بضخ ولو بجزء يسير من ثروتها في خلق أو دعم مقاولات صحفية على أسس واضحة ، وعلى قاعدة رابح –رابح، بحيث تكون منابرها مقربة سياسيا منها وتكون دعما وسندا لها ومروجا لبرامجها ولمرشحيها خلال الحملات الانتخابية، وظلت وفية لنهج الفساد والإفساد. ففي كل استحقاق انتخابي تعمد إلى تبديد عشرات الملايين، إذا لم نقل مئات الملايين، في شراء الأصوات وإقامة الولائم، ولا تستثمر درهما واحدا في المقاولات الصحفية لأنها بحكم ضيق أفقها السياسي وضحالة رصيدها المعرفي تجهل تماما وجود تخصص علمي يسمى التواصل السياسي يدرسه الطلبة في كليات الحقوق،  ويطبق قواعده السياسيون في في البلدان الديمقراطية المتحضرة لصنع أوالتأثير في الرأي العام. وبدل كل ذلك تحاول استمالةبعض الصحفيين واستغلال ظروفهم المادية ليكونوا بوقا لها يلهجون بحمدها مقابل البعض من فتات من موائدها.

العامل الثالث الذي تسبب ولا يزال في أزمة المقاولة الصحفية بتطوان(التي في معظم الأحيان تعتمد على مجهود صحفي أو صحفيان للقيام بتحرير الخبر والتغطيات الصحفية والتصوير،والبحث عن الموارد المالية و الجانب التقني…الخ)، يتجلى في غياب الدعم العمومي وانعدام الشفافية في سوق الاشهار.

لقد مرت سنوات طويلة منذ أن انطلق الحديث عن الجهوية بالمغرب ثم إحداث مجالس للجهات، وهي تجربة في حاجة إلى دراسة وتقييم لمعرفة مكامن ضعفها وتحديد الأسباب الثاوية وراء تعثرها. وما هو أكيد فإن واقع الإعلام الجهوي يمثل أحد مظاهر وتجليات النزعة الموجودة لدى الإدارات المركزية في الحفاظ على مركزية السلط والقرارات وتأجيل تنزيل قواعد الجهوية إلى أبعد فترة زمنية ممكنة.

وفي مجال الإعلام تحديدا لم تعرف المقاولات الصحفية في الجهات البعيدة عن المركز، كما هو الشأن بالنسبة للمقاولات الصحفية في تطوان، أية عناية خاصة من الدولة باعتبار الظروف المادية التي تشتغل فيها، حيث كلما ابتعدنا عن محور البيضاء القنيطرة كلما شحت الموارد المالية بحكم تمركز الأنشطة الاقتصادية هناك.كما لم تسعى الجهة الوصية على القطاع، أو المجلس الوطني للصحافة، إلى إنجاز دراسة ميدانية لتشخيص حال ومآل المقاولة الصحفية في الجهات البعيدة عن المركز التي تعاني، في غالبيتها العظمى، من هشاشة دائمة، ومن ثم وضع آليات من شأنها التخفيف من أعباءها الضريبية ودعم مواردها لتقوم بالدور المنوط بها كإحدى رافعات التنمية المحلية.

في نفس السياق، نلاحظ أن مداخيل سوق الإشهار ،كما هو الشان بالنسبة للدعم العمومي، تغيب عنه معايير الشفافية، بحيث تستفيد منه بالدرجة الأولى مقاولات صحفية بعينها، مما ينجم عنه تمركز الثراء وظروف العمل المريحة لدى أقلية “محظوظة”، بينما تصارع البقية عوادي الزمن عسى أن تحافظ على استمراريتها وبالأحرى الرفع من مدخولها وتطوير منتوجها.

من هنا فإن استمرار العوامل المؤدية لأزمةالمقاولة الصحفية في تطوان يعني في نهاية المطاف أن الإعلام الجهوي المكتوب أو الرقمي سيظل يحيا ويمارس عمله داخل عنق زجاجة وسيصعب عليه الرقي بأداءه ليستجيب لتطلعات جمهوره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى