الرئيسية / سياسة / 3 مارس… من يتذكر أنه كان عيدا للعرش؟

3 مارس… من يتذكر أنه كان عيدا للعرش؟



طنجة أنتر:

مثل هذا اليوم قبل عشرين عاما كان يشبه عيدا، ثم تحول إلى يوم عادي جدا لا أحد يهتم به. في مثل هذا اليوم كان المغرب ينقلب عن بكرة أبيه، وتتحول المدن المغربية إلى كتل من الأضواء والألوان والأعلام التي ترفرف في كل مكان واللافتات التي تمجد تقدم وازدهار المغرب وآيات التبريك والتهاني وقصائد المديح وأناشيد لا أول لها ولا آخر حتى اعتقد الناس أن 3 مارس يوم مقدس نزل من السماء.

استمر هذا الواقع قرابة أربعين عاما، هي مدة حكم الملك الراحل الحسن الثاني. وعندما غادر هذا الرجل الحياة كما تغادرها كل المخلوقات الفانية، صار يوم 3 مارس يوما كباقي أيام الله، لا هو عيد للعرش ولا هو عيد الولاء ولا هو يوم للذكرى.

في ذلك الماضي الذي يبدو بعيدا، كان يوم 3 مارس غولا حقيقيا لرجال السلطة والمسؤولين الذين كان عليهم أن يظهروا حنّة يدهم خلال هذا اليوم، وإلا فإن العاقبة لن تكون بخير. كانوا يحوّلون كل قطعة من مدنهم وقراهم إلى كتلة من الفرح، الفرح الاصطناعي طبعا. كان المقدمون يجولون حول المنازل والمتاجر ويطلبون من أصحابها رفع الأعلام، وكانوا أحيانا يجمعون الإتاوات من المواطنين البسطاء حتى يصرفوا على الاحتفالات الباذخة بهذا اليوم.

أحيانا كانوا يبيعون أوراق اليانصيب التي فات أجل مسابقتها، وأحيانا يبيعون اليوميات، وأحيانا يفرضون ذعائر بلا موجب، المهم هو أن تتوفر المدينة أو القرية أو الحي على ما يكفي من المال لكي يكون الاحتفال بعيد العرش محمّرا للوجه.

كان 3 مارس يوما لا يرتاح فيه لا قايد ولا مقدم ولا شيخ ولا عامل ولا وزير. كان يوما للعمل بامتياز. وفي المساء كان المذيع الشهير مصطفى العلوي يتكفل بتحويل كل ذلك إلى عالم من الرومانسية التلفزيونية وهو يشنف أسماع المغاربة بجلال الذكرى وأهمية هذا اليوم التاريخي وحلل التقدم والازدهار التي يرفل فيها المغرب حتى يعتقد الناس أن البلاد قفزت إلى المرتبة الثالثة عالميا في ظرف 24 ساعة.

في تلك الأيام كان المسؤولون يبالغون بكثير من الإصرار على تبذير قوت شعب في احتفالات لا أحد يعرف ماذا تضيفه لهذا البلد المسكين. وحتى عندما يأتي صحافيون أجانب ويستغربون لماذا يتم إنفاق كل هذا المال في يوم 3 مارس، فإن الجميع يجيبونهم “ما شي شغلكم.. هادا شغل المغاربة”. لكن الحقيقة أن ذلك لم يكن شغل المغاربة كلهم.

ويتذكر المغاربة أنه في أحد الأيام، وبينما كان الملك الراحل في ندوة صحافية، نهض صحافي من مجلة عربية كانت تسمى “التضامن”، وسأل الملك بلسان ما فيه عظم “كم صرفتم يا صاحب الجلالة على احتفالات عيد العرش لهذا العام”، ففاجأه الملك بطريقة لم يكن يتوقعها أحد قائلا بأن مجلة “التضامن” ليست هي التي تصرف على هذه الاحتفالات، وأن الأسواق في المغرب عامرة بالخضر والفواكه، ثم وجد الصحافي نفسه مجبرا كي يبحث عن أقرب طريق نحو المطار.

كان الأجانب يستغربون كثيرا كيف يصرف بلد فقير أموالا ضخمة من أجل هذه الاحتفالات، وكانوا يستغربون كيف أن مناطق لا توجد فيها مدارس ولا مستشفيات ولا مطرح نفايات ولا مجاري الواد الحار تنفق ميزانيتها وميزانية غيرها في الاحتفالات ثم يعود الجميع لكي ينام على “الدّصّ”.
المسؤولون في المدن والقرى كانوا يتنافسون في التبذير وفي تقديس يوم هو كغيره من أيام الله.

والحقيقة أن المسؤولين المغاربة كانوا يفعلون أكثر من ذلك. فعندما كان يمر الملك الراحل على متن قطاره الخاص، كانوا يصطفون بجلابيبهم البيضاء ويسجدون للقطار عدة مرات. كان هذا المشهد كافيا لكي يجعل الكثيرين يسخرون من “عبدة القطار” الذين كانوا يعطون صورة كاريكاتيرية عن المغرب وأهله، وهو ما جعل هذه البلاد محط تندّر الكثير من الصحف ووسائل الإعلام الأجنبية.

السؤال الآن هو كم من المغاربة يتذكرون أن اليوم هو عيد العرش سابقا. لقد أصبح هذا اليوم شبيها بآذان المغرب في فاتح شوال. مات الحسن الثاني كما يموت كل البشر، وتحولت ذكرى اعتلائه العرش إلى ذكرى منسية، وبقي الشعب المغربي حيا يقاوم من أجل أيام أفضل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى