الرئيسية / ثقافة و فن / وجوه من زمن طنجة الدولية: محمد شكرى وزمن المعاناة والاستمتاع

وجوه من زمن طنجة الدولية: محمد شكرى وزمن المعاناة والاستمتاع



طنجة أنتر:

تحول محمد شكري إلى أشهر شخصية طنجاوية زاوجت بين العهد الدولي وفترة الالتحاق بالمغرب بعد 1956.

جاء محمد شكري من الريف في أربعينيات القرن الماضي هربا من المجاعة التي اجتاحت المنطقة، وكان وصوله إلى طنجة نعمة في حياته لأنها حملته من حياة الصعاليك المهمشين إلى حياة المشاهير، على الرغم من أن شهرته جاءت متأخرة قليلا.

في بداية حياته في طنجة عانى شكري مما يعانيه أي نازح إلى طنجة، وسمع عبارات سخرية وقدح ووصف بأنه “الريفي الهائم على وجهه الذي جاء المدينة هربا من الجوع”، لكن هذا الهارب من الجوع تحول مع مرور السنوات إلى رمز من رموز طنجة، وكان يصف نفسه باستمرار أنه الكاتب الطنجاوي، وليس المغربي.

عاش شكري مرحلة طنجة الدولية بخليط من المعاناة والاستمتاع. وكما يحكي عن نفسه في سيرته الذاتية، فقد نام في المقابر وسرق الأكل وعاشر اللصوص والأفاقين من كل الجنسيات.

في كل مرة يحكي فيها شكري عن طنجة الدولية لا يبدو أنه يستحلي كثيرا تلك المرحلة، كان يقول باستمرار إن ازدهار طنجة في ذلك الوقت لعقه الأجانب، بينما المغاربة لم يكن نصيبهم غير الفتات.
لكن على الرغم من كل ما عاناه شكري، إلا أنه اعتبر نفسه في فردوس حقيقي لا يمكن مقارنته بالمكان الذي جاء منه حيث الفقر والجوع. كانت طنجة تطعم الجميع، وهي لا زالت تمارس هذا الدور إلى الآن، وشكري ظل يتذكر الجميل الذي أسدته إليه طنجة.

بعد نهاية الفترة الدولية، ظل شكري وفيا لكثير من الأماكن التي كمان يرتادها مع مشاهير الكتاب أو الصعاليك. كان دائم التردد على مقاه وأمكنة بعينها في السوق الداخلي، الذي كان عنوان إحدى رواياته. ومع مرور الوقت يبدو أن شكري أصبح ينضبط للواقع الجديد، وهو واقع لم يسعد شكري بطبيعة الحال، وهكذا غابت الوجوه التي كان يعرفها، وهاجر أجانب كثيرون، وبدأت طنجة تفقد سحرها شيئا فشيئا، وصارت طنجة تضيق عليه كما يضيق الثوب المبلل تحت أشعة الشمس.

في سنوات عمره الأخيرة، عاش شكري على الذكريات والحنين الجميل إلى زمن لن يعود. ظل دائما يتذكر أيام طنجة الدولية كما يتذكر أحداث وقعت بالأمس، وكان من الممكن مشاهدته في ساحة السوق الداخل أو في أزقة طنجة العتيقة، وأحيانا يجلس وحيدا في أماكن لا يعرف سرها غيره، لكنه مع مرور السنوات، انكمش على نفسه في أماكن محددة، وأحيانا لم يكن يخرج من منزل لأيام طويلة، وكان لا يخفي تذمره من “هاد طنجة اللي رجعت فشي شكل..”.

عندما مات شكري ترك إرثا محترما ومنزلا يشبه متحفا تقاسمه إخوته وبيعت أشياؤه كما تباع الخردة. لم يكن مصير شكري أفضل من مصير طنجة الدولية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى