الرئيسية / أشياء.. و أشياء / وباء “إيبولا” سينتحر في المغرب

وباء “إيبولا” سينتحر في المغرب



قبل أيام مات رجل في إسبانيا في ظروف شديدة الحساسية. فقد تم نقله من بلاد بعيدة في طائرة خاصة مغلفة بطريقة علمية دقيقة ومددوا جسده في علبة بلاستيكية مزودة بآخر صرعات التكنولوجيا الطبية ووضعوه في جناح خاص ومعزول في مستشفى إسباني وناولوه أحدث أنواع الأدوية، لكن في النهاية مات.. وعندما مات ارتعبت إسبانيا.

الرجل الميت كان قسيسا في ليبيريا، وليبيريا، لمن لا يعرف ذلك، هي اليوم معقل وباء “إيبولا” المخيف، وهناك ما يزيد عن أربعة آلاف شخص ماتوا بسبب هذا الوباء، وإلى حدود اليوم فإن وسائل الإعلام الدولية تصف وباء “إيبولا” بأنه طاعون العصر، وهو ما يعني أن هذا العالم المتقدم جدا مستعد في أي وقت للخنوع وطأطأة الرأس أمام أوبئة فتاكة، فلا فرق بين طاعون القرون الوسطى وبين “إيبولا” القرن الحادي والعشرين.

ما يهم في موت القسيس الإسباني هو أن وباء “إيبولا” ليس بعيدا جدا عن المغرب. فعندما يصل الوباء إلى إسبانيا فمعنى ذلك أنه قريب جدا منا. والغريب أننا نردد باستمرار أن المغرب وإسبانيا لا تفصلهما سوى 14 كيلومترا عبر مضيق جبل طارق، وها نحن اليوم ملزمين بالقول إن المغرب لا تفصله عن وباء إيبولا سوى 14 كيلومترا.

الأوبئة السابقة التي خاف منها المغرب كانت هناك الجعجعة فقط. لقد خاف الناس كثيرا من أنفلونزا الدجاج وتكبد منتجو اللحوم البيضاء خسائر كبيرة جدا لأن الناس لم يعودوا يشترون الدجاج وباقي أنواع الطيور المأكولة، وعندما مات مواطن في الدار البيضاء بما يشبه أنفلونزا الدجاج خرجت المصالح المعنية بأغرب بيان في تاريخ الطب القديم والحديث، واتهمت شيئا اسمه “الداء النخروبي” بقتل المواطن الكازاوي، وإلى حد الآن لم يفهم المغاربة معنى تلك العبارة العجائبية، التي يُعتقد أنها استعاضة مجازية عن “أنفلونزا الدجاج” حتى لا يحس الناس بمزيد من الرعب.

بعد ذلك لم تتأخر كثيرا أنفلونزا الخنازير في الحلول بيننا، وحدث معها ما حدث لشقيقتها أنفلونزا الدجاج، أي الكثير من الرعب وقليل من الخسائر، لكن تلك الأنفلونزات كانت لها أرباح غير متوقعة، مثل الشقتين الفاخرتين اللتين اشترتهما وزيرة الصحة آنذاك، ياسمينة بادو، في العاصمة الفرنسية باريس. المغاربة على حق عندما يقولون.. “اللّي ما قْتِل يسْمّن”.

اليوم تختلف الأشياء كثيرا عن أنفلونزا الطيور والخنازير، لأن هذا الإيبولا” يحمل بين جناحيه المشؤومين وباء قاتلا، وضحاياه بالآلاف على بعد بضعة آلاف كيلومتر جنوب بالمغرب، وأيضا على بعد بضع كيلومترات من شمال المغرب. إنه يشبه ذلك العدو الذي وصفه طارق ابن زياد بالقول “البحر من ورائكم والعدو أمامكم..”.

إلى حدود الآن فإن هناك ميت وبضعة مصابين بـ”إيبولا” في إسبانيا، والمصابون به يوجدون في أكثر من مدينة وأكثر من منطقة، إنهم يوجدون في العاصمة مدريد وفي شرق البلاد وفي مدينة “بلْباو” بأقصى الشمال، وعدد من الذين تم إدخالهم المستشفيات هم من المهاجرين الأفارقة، لكن الضحايا الأساسيين حتى الآن هم من الإسبان.

الإسبان ينظرون إلى هذا الوباء على أنه قادم من ليبيريا وبلدان أخرى، والذين يحملون هذا الوباء ويعبرون به نحو إسبانيا هم مهاجرون سريون يأتون في الغالب من منطقة وسط غرب إفريقيا، وهؤلاء لا يمرون من قنطرة تمر مباشرة من بلدانهم نحو إسبانيا، بل هناك قنطرة أخرى لا بد من المرور عبرها، وهذه القنطرة اسمها المغرب.

حتى الآن لا يبدو أنه من الجيد قرع طبول الحرب خوفا من أفارقة يشبهوننا كثيرا في بؤسهم وحلمهم بالهجرة، فهذا حق طبيعي لهم في عالم مجنون يأكل فيه الأغنياء أرزاق الفقراء، لكن من الضروري أن ننتبه إلى أن المغرب بلد عبور أساسي لهجرة مواطني وسط غرب إفريقيا، وهذه المنطقة هي الموبوءة بـ”الإيبولا” على نطاق واسع.

يعرف المغاربة جميع أن هناك مناطق في المغرب ممتلئة عن آخرها بمهاجرين أفارقة، ليس من الضروري أن يكون بعضهم حاملين للوباء، فالخوف ليس من الوباء أصلا، بل الخوف هو من وباء التخلف والفساد في القطاع الطبي عندنا. في إسبانيا مثلا، وعندما يُشتبه في إصابة أحد بـ”الإيبولا” فإنه يتم عزله في ظروف شبه عسكرية وباحتياطات طبية ضخمة ويتم وضعه في طابق خاص بأفضل مستشفيات البلاد ويتم استعمال أحدث وأفضل أنواع الأدوية المضادة للأوبئة، وعندما يموت يُدفن وكأنه قنبلة نووية قابلة للانفجار.

تصوروا لو أننا اكتشفنا مصابين بالإيبولا عندنا. أكيد أن الوباء سينتف شعره غبنا لأنه سيكتشف أن وباء التخلف عندنا أخطر منه بكثير، وربما ينتحر غضبا لأننا سنتعامل معه كما نتعامل مع الزكام العيساوي، أما إذا “ساقْ لخْبار” بما فعلته ياسمينه بادو مع الأنفلونزات السابقة وعلم بحكاية الشقق الباريسية فسينتحر “الإيبولا” عبر رمي نفسه من سطح “التّوينْ سانتْر”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى