الرئيسية / غير مصنف / هل تبخر حلم “السيارة الجزائرية”..؟

هل تبخر حلم “السيارة الجزائرية”..؟



طنجة أنتر:

“صنع في الجزائر”، كان ذلك هو الشعار والرهان الذي راود أحلام المسؤولين الجزائريين مطلع العام 2013، بعدما بلغت فاتورة استيراد السيارات مستوى قياسيا بقيمة 7 مليارات دولار لجلب 600 ألف مركبة خلال العام 2012.

حينها قررت السلطات التوجه نحو تركيب السيارات محليا، بهدف تخفيض كلفة الواردات والتطلع إلى التصدير بعد سنوات، فكانت البداية بإنتاج أول سيارة من علامة “رونو الجزائر” في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 نتيجة شراكة مع فرنسا.

ونمت مصانع التركيب بالجزائر سريعا في ظل تشجيع استثنائي للمبادرة الصناعية عبر إعفاءات جمركية وضريبية وتسهيلات بنكية وإدارية كبيرة، حتى بلغ عددها حاليا 16 مركبة محلية لعلامات فرنسية وصينية وألمانية وكورية وغيرها.

ووفق آخر الإحصاءات، تم إنتاج 4500 مركبة صناعية و180 ألف مركبة سياحية عام 2018.

تداعيات الفساد
غير أن موجة الحراك الشعبي لم تكن بردا ولا سلاما على نشاط التركيب بالجزائر، فقد زجت بكبار الصناعيين في غيابات السجن، وصاروا ملاحقين بتهم ثقيلة تحت عنوان الفساد وتبديد المال العام، رفقة رئيسيْ حكومة وعدد من الوزراء المتعاملين معهم.

وقدرت محكمة بالعاصمة أن هؤلاء كبدوا الخزينة العمومية خسائر بقيمة 1.3 مليار دولار في صورة امتيازات مخالفة للقانون.

جاء ذلك عقب تذبذب كبير في تسيير الملف من طرف الحكومة، نتيجة عدم الاستقرار التشريعي وتعديل الإجراءات المعمول بها وفقا للتغييرات الحكومية.

وأدى كل ذلك إلى تعطل نشاط تركيب السيارات وتوقف الإنتاج في بعض المصانع، وحتى إلى تجميد الرخصة الدولية لعلامة “فولسفاغن”.

إضافة إلى ما سبق، تشير الأرقام الرسمية إلى خسارة الدولة 5 مليارات دولار في 2018، بينما تبلغ خسائرها سنويا 422 مليون دولار بفعل الامتيازات الممنوحة لمصانع التركيب، مقابل ارتفاع أسعار المركبات المحلية بنحو الضعف، مقارنة بالسيارات المستوردة في الفترة السابقة.

وأشارت تقارير رسمية إلى أن مصانع تركيب السيارات تتجاهل التصريح بنسبة الإدماج (إدماج قطاع الغيار المصنع محليا)، في حين تلزمها دفاتر الشروط بنسبة 15% في الثلاث سنوات الأولى و40% خلال خمس سنوات، وهو ما لم يتحقق على الإطلاق.

هذه المعطيات المتناقضة مع طموحات السلطات الجزائرية، دفعت وزير الصناعة الجديد فرحات آيت علي إلى التأكيد أن الإعفاءات الجمركية والضريبية لن تتكرر، وكشف الأسبوع الماضي أن كل التقارير الرسمية بينت أن هذا النشاط تبديد للمال العام. ولم يستبعد المسؤول الحكومي عودة المستوردين كحل لتغطية الطلب الداخلي.

يحدث ذلك، في وقت سمحت فيه الحكومة للمواطنين باستيراد السيارات المستعملة التي يقل عمرها عن ثلاث سنوات.

نتائج حتمية
عن أسباب الإخفاق، قال الخبير لدى البنك الدولي محمد حميدوش إن الأهم في قطاع صناعة السيارات هو الاهتمام بإنتاج قطع الغيار مع الخدمات الخاصة بها، عبر مراكز تدريب مهنية وتقنية وبحث وحظائر صناعية في ظل ضريبة محفزة لتشجيع الاستثمار.

لكن الجزائر اهتمت بمخرجات القطاع، والمتمثلة في إنتاج سيارة مهما كان نوعها، يضيف حميدوش.

وتم الاعتماد في هذه الحالة على نظام تجميع الأجزاء الكبيرة والأجزاء الصغيرة، الذي يتمتع بموجبه مصنع السيارة بإعفاءات جمركية للقطع المكونة لتركيبها.

وأوضح حميدوش في تصريح للجزيرة نت أن هذا التوجه يصلح إذا فاقت نسبة الإدماج 45%، مع ضمان إنتاج الروبوتات والقوالب للقطع الحديدية، وهو ما غاب في الجزائر وجعل كل الاستثمارات غير قادرة على المنافسة.

وقال إن بقاء نشاط القطاع الصناعي كان بسبب وجود حالة عدم التوازن بين الطلب الذي يعادل 550 ألف سيارة والعرض الذي يقدر بـ200 ألف سيارة من التركيب المحلي ورخص الاستيراد، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بقيمة 150%.

وشدد حميدوش على أنه لا يمكن لقطاع ما أن يعتمد على عدم توازن السوق أو الحماية الجمركية أو تدخل الدولة إلا لفترة قصيرة، وعليه كانت النتيجة الحالية حتمية، لأن الاهتمام بإنتاج سيارة وفق النظام المعمول به حاليا يجعل رصيد الميزان التجاري للبلد سالبا.

وأضاف أنه لا يمكن تصدير سيارة لا تحظى بالمنافسة، في ظل الاعتماد على استيراد قطع الغيار المكونة للسيارة، وبذلك تصبح تكلفة هذه السيارة أكبر من سعر المركبة المستوردة، وهو ما يتنافى مع منطق التجارة الدولية ومبدأ التخصص، على حد تعبيره.

ضرورة المراجعة
أما بخصوص فرص إنقاذ القطاع من الإفلاس، فقد أقر الوزير السابق للصناعة الهاشمي جعبوب أن التجربة باءت بفشل ذريع، كما أن فسادا شاملا طبعها بسبب استحواذ أقلية وتحكّمها في السوق بطرق غير قانونية، حيث أفرغت الخزينة دون أن يستفيد المواطن.

وقال جعبوب في تصريح للجزيرة نت “أمام هذا الانفلات الخطير، تدخلت أجهزة الدولة وسجنت المتسببين في الجريمة الاقتصادية وألغت هذا النشاط. وكحلّ وسط سمحت للمواطنين باستيراد السيارات القديمة، لكن بالعملة الصعبة التي يشترونها من السوق الموازية بضعف تسعيرة البنك”.

ويعتقد الوزير السابق أن هذه الطريقة لا يمكن تطبيقها، بالنظر إلى غلاء أسعار تلك السيارات المستعملة في حال استيرادها من الخارج.

والحل الممكن للحكومة الآن -يوضح جعبوب- هو مراجعة القوانين، بوضع دفتر شروط أكثر صرامة يحمي المال العام والمواطن ويمنع التلاعب الذي عرفه النشاط الصناعي.

وأكد المسؤول السابق على البدء بالتجميع ثم التركيب قبل الوصول إلى التصنيع تحت الرقابة المستمرة للدولة، ودعمها للمتعاملين الجادين، وتشجيع الشراكة مع المصنعين الكبار، لكسب المعرفة والمهارات المهنية وتزويد السوق الوطنية، وأخيرا الذهاب نحو التصدير.

وكشف في هذا الصدد أن الوزارة الوصية بصدد تحضير مرسوم جديد لإصلاح الوضع وإطلاق سياسة جديدة أكثر نجاعة اقتصاديا واجتماعيا.

وختم كلامه بالتشديد على أن فرص الإصلاح تظل قائمة، بل واجبة، إذ العودة إلى الاستيراد غير ممكنة نظرا لشح الموارد المالية، ولكن بضوابط صارمة وشفافة تراعي المساواة وكسب المعرفة وحماية المستهلك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى