الرئيسية / مجتمع / هكذا تحولت مرافق القرب إلى وسائل لتعذيب سكان طنجة..

هكذا تحولت مرافق القرب إلى وسائل لتعذيب سكان طنجة..



طنجة أنتر:

حينما أعلن رسميا عن ولادة شعار “مشروع طنجة الكبرى” في سنة 2013 ، كانت إحدى رهانات هذا المشروع هي ترحيل مرافق القرب عن طريق إبعادها عن وسط المدينة بهدف تخفيف الضغط على حركة السير والجولان، ثم تطوير خدمات هذه المرافق لفائدة المرتفقين.. وقد شمل هذا القرار الفوقي ترحيل كل من المحطة الطرقية، المجزرة البلدية، المحجز البلدي، سوق الجملة للخضر والفواكه، سوق الجملة الخاص بالسمك. وذلك دون وجود أية دراسة حول الانعكاسات السلبية لهذا القرار الذي اتخذ في غياب استشارة واسعة حول نتائجه المحتملة سلبا أو إيجابا..وبغض النظر عن التأخيرالحاصل في إنجاز تلك المشاريع، وكذلك المشاكل التي طرحت عند حلول موعد الترحيل بسبب الاختلالات البنيوية التي رافقت إنجاز هذه المشاريع من جهة، وعدم الاستجابة لمطالب المهنيين من جهة أخرى، فإن المشكل الأكبر هو الذي سيتحمل المرتفقون والمستهلكون عبئه، لأنهم أصبحوا يؤدون ثمنا غاليا بسبب النفي الذي تعرضت له تلك المرافق بعد أن أبعدت عن وسط المدينة على مسافة تتراوح بين9 و15 كيلومترا.

المحطة الطرقية الجديدة:

ولقد انكشفت تلك الآثار السيئة منذ انطلاق عملية ترحيل المحطة الطرقية إلى منطقة أحرارين، حيث عانى المواطنون من التشتت والضياع بسبب بعد المسافة، ثم إصرار المسؤولين على إقصاء سيارات الأجرة الرابطة بين المدن، ووسائل النقل المزدوج عن وسط المدينة، مما ساهم في مضاعفة تكلفة السفر والتنقل نحو كل الاتجاهات. وقد تعمق المشكل منذ الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية في شهر مارس الماضي، بسبب الفوضى التي تعم قطاع النقل عموما، والتي لها علاقة بعشوائية القرارات الإدارية وتخلي السلطات عن المواطنين الذين أصبحوا يؤدون ثمنا مضاعفا.

سوق الجملة للخضر والفواكه بمنطقة أحرارين:

نفس المشكل يطرح الآن بالنسبة لسوق الجملة الذي تقرر ترحيله في هذه الظروف الصعبة دون مراعاة الانعكاسات السلبية التي ستلحق شرائح التجار وعموم المستهلكين داخل المدينة، حيث سيكون لعامل البعد أيضا دور كبير في الرفع من مستوى الأسعار بسبب ارتفاع تكلفة نقل البضائع إلى نقط البيع على صعيد تراب المدينة بنسبة تفوق 100% ، حيث يضطر التاجر إلى استعمال سيارة الأجرة التي تقله من المدينة إلى السوق بثمن يتراوح بين 30 و50 درهما مضروب في 2( الذهاب والإياب)، بالإضافة إلى تكلفة استعمال عربات نقل البضائع التي أصبحت تكلفتها مضاعفة .. وذلك دون استحضار ارتفاع الأسعار في السوق بسبب تأثيرات أحوال الطقس، وصعوبة نقل البضائع بين الأقاليم بسبب إجراءات حالة الطوارئ الصحية، وكذلك تراجع مستوى الطلب نتيجة ضعف الطاقة الشرائية للمواطنين في ظل الأزمة الاقتصادية. فلأول مرة في تاريخ المغرب يباع برتقال “العصير” بطنجة خلال موسم إنتاجه ب12 درهما داخل سوق الجملة، وب 18 درهما خارج السوق. وقد انعكس ذلك على أثمان كل أنواع الخضر والفواكه التي ارتفع ثمنها بشكل غير مسبوق خلال هذه الفترة من السنة.. وسيظل المشكل مرشحا للتفاقم بسبب غياب المسؤولين الذين لم يعد يهمهم إلا التطبيق الحرفي للقرارات الفوقية التي لا يريدون لها أن تنكسر شوكتها أو تنفضح عبثيتها ..

إعادة نسخ تجربة السوق القديم:

هذا وسيزداد الأمر تعقيدا وسوء بالنسبة لهذا السوق الذي ظل المسؤولون يتغنون بإنجازه العظيم، حيث كشف منذ الوهلة الأولى عن اختلالات بنيوية على مستوى المرافق المنجزة. إذ فوجئ الرأي العام بأن السوق يتحول إلى بركة ماء بسبب تسرب مياه الأمطار من الأسقف، ثم تعطل أجهزة النظام المعلوماتي، وكذلك ضيق الفضاءات، والنقص في المرافق الضرورية ( غرف التبريد)، الشيء الذي أثر على عملية انطلاق السوق وعلى المردودية وسيرورة الأعمال والخدمات. وقد انعكس ذلك على نشاط المهنيين الذين يعانون من المشاكل التي أثرت على نشاطهم وجعلتهم يشتغلون في ظروف صعبة غير مشجعة على الاستمرارية .. وهو الأمر الذي كشف عن ضعف الأجهزة المسؤولة وعجزها عن تدبير هذا المرفق الذي أصبح مرشحا لإعادة إنتاج تجربة السوق القديم بكل عيوبها وفضائحها الموثقة ضمن تقارير المجلس الجهوي للحسابات، والذي كان قد تلقى وعدا من الجماعة بتجاوز تلك المشاكل وتصحيح الاختلالات القائمة ..
والأمر الثابت الآن، هو أن دار لقمان ما زالت على حالها، فليست هنالك جهة تريد لهذا المرفق أن تستقر تجربته وينتظم وفق معايير الحكامة الجيدة التي تضمن حقوق كل المتدخلين وتحقق التوازن في علاقة التجار بالمستهلكين .. فالجماعة المعنية الأولى بتدبير السوق ما زالت غير قادرة على فرض سلطتها فيما يخص ضبط المداخيل الخاصة بالجبايات وواجبات السوق من خلال الاحتكام إلى القانون الداخلي للسوق والعمل على تطبيقه. كما أن الجهات المنتفعة من الوضع القائم ما زالت تحلم بإحياء نمط الإنتاج السابق، فهي لا تريد أن يخضع تدبير هذا المرفق للشفافية والمحاسبة والضبط وتصفية الذمة المالية، ولذلك سيتم وضع كل العراقيل من أجل أن ينهار النظام وتتم العودة إلى نفس الممارسات التي أنعشت اقتصاد الريع وشجعت على الإثراء غير المشروع والاغتناء على حساب حقوق المستهلكين ..

مطالب المهنيين داخل السوق:

إننا لا نعارض كليا الاستجابة لمطالب المهنيين العاملين بالسوق ومنحهم كل الضمانات من أجل أن يمارسوا نشاطهم في أحسن الظروف وبشكل يحميهم من الشطط والتلاعب ويحقق لهم هامش الربح القانوني والمشروع، مع توفير كل الإمكانيات من أجل الانطلاق في ظل الظروف الضاغطة..ولكننا من جانب آخر، نلح على ضرورة حماية حقوق المستهلكين، وذلك وضع حد للمضاربين والوسطاء الذين يتلاعبون بمصالح وحقوق الجماعة والمواطنين، أولائك الذين يبسطون سلطتهم داخل السوق بشكل مطلق ، ولم تتمكن أية جهة من ردعهم وردهم إلى جادة السبيل.. ثم أيضا حماية حقوق الجماعة التي كانت تضيع نسبا عالية من المداخيل بسبب التسيب والفوضى التي تهيمن على السوق، وكذلك سيطرة اللوبيات التي ظلت تتحكم في مصيره لعدة عقود ..
هذا ويشتكي المهنيون داخل سوق الجملة من وجود عدة مشاكل:
* ضعف النظام المعلوماتي الذي يعاني البطء في الاستجابة، كما أنه يتعرض للتوقف المفاجئ أحيانا عن العمل، إضافة إلى أنه نظام جديد لم يتم التعود عليه بعد، الأمر الذي تسبب في العديد من المشاكل في سير العمل داخل السوق”*1- “صعوبة الانخراط في المنظومة المعلوماتية بسبب بطء إنجاز عمليات البيع- ازدواجية الأداء والرسوم المفروضة على الفواكه المستوردة- غياب تغطية بعض فضاءات السوق، الأمر الذي يتسبب في ضياع التجار وإتلاف السلع ويعرض الفواكه للضياع- قلة وسائل النقل الحضري لربط سوق الجملة بالمدينة”.
كما يطالبون أيضا “بمراجعة الرسوم المرتفعة والإسراع بالإصلاحات الضرورية المطلوبة داخل السوق، وتقوية أسطول وسائل النقل الحضري لربط سوق الجملة بالمدينة، ثم مراجعة وتوقيف الامتياز الممنوح لأسواق المساحات الكبري والقاضي بإعفائها بموجب مرسوم استثنائي من إجبارية الولوج لأسواق الجملة وأداء الرسوم الجبائية المستحقة للجماعات الترابية”

توجه الإدارة الوصية ورؤيتها بخصوص منهجية تدبير المرفق:

وفي المقابل تلح الجهات المسؤولة على “ضرورة الانضباط لنظام السوق والانخراط في المنظومة المعلوماتية، والتقيد بقرار العمل به، مع انخراط الوكلاء ومساعديهم في عملية التكوين التى توفرها الجماعة من أجل إنجاح تجربة العمل بالمنظومة المعلوماتية التى تعتبر الأولى على المستوى الوطني، وكذلك تكوين جميع الأفراد المسؤولين للقيام بالعملية المنظوماتية، وأيضا القيام بحملات واسعة لضبط ومراقبة السلع الوافدة على المدينة والضرب علي أيدي المتهربين من الولوج إلى سوق الجملة وأداء الرسوم الجبائية، وكذلك تكثيف الجهود والتعاون الجماعي لإنجاح عملية الإنتقال إلى المرفق الجديد، ثم الإنخراط الإرادي والمساهمة الفعلية في تحسين مداخيل سوق الجملة ..”*2

إحتجاجات تجار سوق الجملة:

بعد مرور شهر واحد على افتتاح السوق الجديد يخوض التجار والمهنيون التابعون له سلسلة من الاحتجاجات ضد ما يصفونه بالاختلالات وعدم وفاء الجماعة بالتزاماتها بخصوص طريقة تسيير السوق ، وتركز المطالب على “الأعطاب المتكررة للنظام المعلوماتي الذي يوصف بالمعرقل بسبب البطء في إنجاز العمليات، وغياب الخبرة لدى القائمين عليه. وقد وصل الأمر إلى حد المطالبة بتوقيف العمل به”*3، مما يطرح التساؤل عن مدى مشروعية هذه الدعوات في الوقت الذي كان الجميع يحلم بولادة سوق حديث مؤهل تفتخر به طنجة، وتتأسس تجربته على القطع مع كل العيوب والشبهات التي طبعت التجارب السابقة .

واقع سوق الجملة (السابق) من خلال تقرير المجلس الأعلى للحسابات*4:

والملاحظ هو أنه كلما أثير موضوع النظام المعلوماتي ومشاكله، نستحضر تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2016-2017 الذي ركز على هذه النقطة عبر تشخيصه لواقع سوق الجملة السابق الذي افتتح سنة 2008 .. وقد أفرد له وصفا دقيقا يتناول كل الاختلالات التي اعترته على مستوى البنية التحتية وكذلك نمط التسيير والإدارة .. وقد تبين بالملموس وجود نية مبيتة لدى المسؤولين لإضعاف السوق ونسف كل المحاولات التي من شأنها الرفع من مستوى أدائه وتطوير تجربته.. ويتجلى ذلك في استمرار تعطيل العمل بالنظام المعلوماتي، وإهمال الموازين حتى يخلو الجو للمفسدين والمنتفعين من الوضع، وذلك على حساب مصالح المدينة التي تحرم من المداخيل الحقيقية لذلك المرفق، ثم حقوق سكان المدينة الذين يكتوون بلهيب الغلاء المستمر .. ولعل الدليل على ذلك هو التطور الذي عرفته مداخيل الجماعة الناتجة عن الرسم المفروض على البيع بسوق الجملة للخضر والفواكه في الفترة ما بين 2012 و2016 من خلال تحقيق زيادة بنسبة 40 بالمائة، لمجرد تحلي المسؤولين بقليل من الجدية والصرامة، حيث انتقلت المداخيل من 123,23 مليون درهم إلى 455,32 مليون درهم.

تقييم مدى تجاوب الجماعة مع توصيات التقرير المذكور:

وقد انصب عمل المجلس الجهوي للحسابات على “تقييم مدى تفاعل الجماعة المعنية مع نتائج مهمة مراقبة تسيير، التي تم نشر نتائجها سنة 2009 ، وقد ضمت 42 توصية موجهة للمجلس، لم ينجز منها بشكل جزئي إلا نسبة 35% خلال الفترة الممتدة بين 2009-2017 ، حيث ظلت الجماعة تتعلل بما سمته بالمرحلة الانتقالية في انتظار بدء استغلال السوق الجديد الذي كان من المقرر أن يكون جاهزا في سنة 2017 “.

نظام السوق المضطرب وإشكالية النظام المعلوماتي:

وفيما يخص التطبيق القانوني لنظام السوق، أكد التقرير”على لزوم تطبيق الرسم المفروض على بيع الموز والفواكه المستوردة بناء على ثمن البيع؛ عوض تأسيسه على الأسعار المحددة من طرف لجنة الأثمنة أو ما يسمى بنظام التحديد القبلي للرسم الذي لا يعكس بالشكل المطلوب النشاط المكثف ورقم المعاملات الحقيقي الذي يحققه سوق الجملة للخضر والفواكه بطنجة. وشدد على إن الرسم المؤسس على الأثمنة المحددة سلفا سيظل حتما ضعيفا ويؤدي إلى خسارة جزء من موارد الجماعة”.
أما بخصوص إشكالية النظام المعلوماتي، فقد أصدر المجلس الجهوي ثمان توصيات بشأنه ، لم يتم تفعيلها بالشكل المطلوب من طرف الجماعة من بينها:
“توفيرالعناية اللازمة لصيانة النظام المعلوماتي- تطوير النظام المعلوماتي لحفظ معطيات الوزن الإجمالي للشاحنة من كل تغيير من خلال الاعتماد على الوزن الفارغ للشاحنة، حتى يصبح غير قابل للتغيير عند مرورها على الميزان الكهربائي، وذلك تلافيا للتلاعب في الوزن وفرض رسم منخفض على عمليات البيع- تعيين موظف مسؤول توكل إليه مهمة الإشراف التقني على النظام المعلوماتي- إدماج عمليات الوزن التي تقع داخل المربعات وأثمنة بيع السلع من طرف الوكالاء في النظام المعلوماتي- إلزام الوكالاء بالإدلاء بالفواتير واستخراجها من النظام المذكور”.
كما لاحظ التقرير “أن الموازين الكهربائية الموصولة بالنظام والمقامة بباب السوق ظلت تتعرض للأعطاب متكررة خاصة عند تغير الأحوال الجوية، وأن العتاد المستعمل لم يتجدد منذ الانتقال إلى السوق سنة 2008 ، كما أن العنصر البشري لم يتلق أي تكوين بخصوص طريقة العمل بالنظام المعلوماتي والتحيينات التي خضع لها”.

بعض توصيات المجلس الأعلى للحسابات:

كل ذلك يتطلب من الجماعة العمل على: “وضع تصميم مناسب وعملي للموازين الكهربائية بمدخل السوق لتفادي تأثرها بسوء الأحوال الجوية؛ – تجديد العتاد المعلوماتي لإدارة السوق وتزويده بالنظم الكفيلة بحمايته من اختراقات خارجية -التقييم الدوري لعمل النظام من أجل تحديد التحيينات الواجب إدماجها لتساير متطلبات تدبير السوق – تكوين موظفي إدارة السوق وتأهيلهم للإحاطة بالإمكانيات الوظيفية التي يتيحها النظام.
وبالرغم من ذلك ” لم تعمل الجماعة على تفعيل التوصيات التالية” ” إقرار آليات للمراقبة داخل المربعات من طرف موظفي الجماعة تضمن التحقق من المعطيات الواردة في أوراق الكشف؛ – تفعيل برج المراقبة المنصوص عليه في النظام الداخلي للسوق؛ – تشغيل نظام المراقبة عن طريق الفيديو؛ -تشديد المراقبة على موردي الأسواق الكبرى بالمدينة لحملهم على تسويق مبيعاتهم الموجهة إلى هاته الأسواق بسوق الجملة قصد أداء الرسم المفروض على البيع، وهي توصية غير منجزة – تدعيم إدارة السوق بالموارد البشرية واللوجيستكية اللازمة من أجل التغطية الكاملة ألنشطة السوق، حيث يتاح لكل موظف مكلف بمراقبة مربع أو مربعين ضبط عملية التأكد من صدقية التصريح بالسلع الواردة على السوق بالشكل المطلوب؛ -وضع دليل عمل لمراقبة المربعات تمكن الموظف الجماعي من سلك مسطرة عمل واضحة وهادفة عوض الإكتفاء بإجراء بسيط لا يساعد في ضبط عملية دخول السلع إلى السوق -وضع آليات لمراقبة عمل المراقبين من طرف مدير سوق الجملة؛ – إعادة الإنتشار الدوري للمراقبين للميزان الكهربائي بباب السوق لتفادي تكوين علاقات مصالح مع التجار – ربط عمل المراقبين بالمربعات بالنظام المعلوماتي للسوق من أجل تتبع عملية المراقبة وتكوين قاعدة معطيات للمخالفات في التصاريح مصنفة انطلاقا من أسماء التجار والوكلاء، بحيث يتكلف النظام بالإشعار التلقائي للمراقب من أجل تشديد عملية تدقيق أوراق الكشف كلما وردت سلع باسم تاجر أو تجار سبق له أو لهم التصريح بمعطيات غير صحيحة حول نوعية الخضر والفواكه التي وردوها إلى السوق – فرض قرار أداء الغرامات المترتبة على الخطأ في التصريح؛ وتحرير محاضر المخالفات (لم يتم العثور بالنسبة للسنوات السابقة على أي محضر محرر في هذا الموضوع، وذلك بالرغم من وجود إمكانية الاستصدار الأوتوماتيكي للمحاضر بناء على المعطيات التي تم إدخالها في النظام المعلوماتي. وقد فسرت الجماعة، في جوابها عن هذه الملاحظة بكونها لم تتقيد بهذا الإجراء إلا منذ سنة 2016″.

سوق بيع السمك بالجملة:

فهذا السوق التي تم ترحيله إلى منطقة أحرارين، مهما قيل عن تصميمه وبنيته المتقدمة، فإنه لم يخلق أية قيمة مضافة بالنسبة للمستهلك بطنجة، فالثمن قد ارتفع بسبب بعد المسافة وتدخل عامل المضاربة وغياب المراقبة. ولذلك ظلت الخدمات في نفس المستوى التي كانت عليه سابقا، ولم يطرأ عليها أي تغيير ينعكس على سوق بيع السمك، كما أن مستوى الجودة ظل متدنيا .. والدليل على ذلك هو نوعية السمك الذي يباع في أسواق المدينة في غياب أدنى شروط السلامة والوقاية الصحية، كما أن أغلبه يكون قد أشرف على نهاية صلاحيته بسبب سوء ظروف التخزين والنقل، وكذلك طريقة العرض وسط الأسواق وفوق قارعة الطرقات.. وللتذكير فقط فإن السمك بطنجة مرتفع الثمن وقليل الجودة نتيجة غياب المراقبة والمتابعة من طرف الجهات المسؤولة التي تغض الطرف عن الخروقات والممارسات المخالفة للقانون على كل المستويات.

نقل المجزرة والمحجز إلى منطقة سيدي حساين:

يتوقع أن يتكرر هذا المشكل مع باقي المرافق التي ما زالت معلقة، مثل المجزرة التي سيتم نقلها إلى منطقة سيدي حساين، والتي ما زال مشروعها يمر بحالة تعثر، والمؤكد هو أنه سيطرح مشكل البعد وكذلك الزيادة في ثمن اللحوم الحمراء التي تباع في طنجة بأعلى ثمن لها في المغرب، والذي يقارب مستوى الضعف.. الأمر سيطرح أيضا بالنسبة للمحجز البلدي الذي أنشئ بسيدي حساين أيضا على بعد 15 كيلومترا من وسط المدينة. وعلى ضوء ذلك يمكن تصور تأثيره على تكلفة القطر ومصاريف التنقل بالنسبة لأصحاب السيارات المحجوزة. وكذلك الإجراءات المتعلقة بضمان سلامة المحجوزات وعدم تعرضها للإتلاف بسبب بعد المسافة وهشاشة الطرق ورداءة الآليات المستعملة في الجر.. وفي كل الأحوال يظل المرتفق هو الخاسر الأول والأخير بسبب هذه الاختيارات التي أراد المسؤولون من خلالها حسب ظنهم حل مشاكل المدينة، ولكن على حساب مصلحة وحقوق المواطنين ..

الحاجة إلى محاسبة المسؤولين بسبب التقصير والتهاون:

يعد تقرير المجلس الأعلى للحسابات وثيقة مرجعية مهمة، فهو بمثابة خارطة طريق، وضع بين يدي الجماعة من أجل الاستفادة منه وتصحيح سياستها في تدبير هذا المرفق الحيوي، والمؤسف أنها لم تستفد من هذه الفرصة، وظلت تتخبط في اختياراتها التي أدت إلى تكريس هذا الوضع الذي لا يمكن التستر عليه. فمنذ سنة 2009 وإدارة المجلس الجماعي على علم بهذه المعطيات التشخيصية والتوصيات المقدمة إليها، لكنها ظلت تناور وتماطل مستغلة ظرفية المرحلة الانتقالية بعد أن تقرر ترحيل هذا المرفق إلى منطقة أخرى. ورغم طول المدة الزمنية، فقد عزفت عن القيام بأية إجراءات عملية للحد من النزيف ومعالجة الاختلالات التي يشير إليها التقرير .. بل على العكس من ذلك، التزمت سياسة النعامة وغضت الطرف عن الخروقات اليومية وعن الفوضى الضاربة الأطناب، ولم تتوفر لديها الجرأة لتقول” كفى” وتقوم على قدم وساق بمواجهة تلك الممارسات المدمرة لكيان السوق.
ولعل تلك المشاكل المطروحة اليوم بعد الانتقال إلى السوق الجديد هي خير دليل على سلبية الجهات المسؤولة التي لم تعمل على القيام بالإعداد لهذه المرحلة. لقد كان في الإمكان العمل على ترسيخ تجربة العمل بالجهاز الإلكتروني واتخاذ كل التدابير لإخضاع التجار والموردين لنظام موحد والحد من كل التجاوزات، وذلك قبل الانتقال إلى السوق الجديد. لكن هذا الأمر ظل بعيدا عن تفكير المجلس وأولوياته. ولذلك سيفرض عليه الشروع في العمل انطلاقا من نقطة الصفر بعد الانتقال إلى السوق الجديد .. فهل يعقل بعد كل هذا المسلسل الطويل أن تطرح المشاكل من جديد بنفس الصورة، وهي نفس المشاكل التي أربكت تجربة السوق القديم وعطلت وظيفته؟..وكيف يمكن تقبل فكرة تعطل الجهاز الإلكتروني الجديد الذي تم اعتماده في إطار صفقة عمومية يفترض فيها أن تكون نزيهة وخاضعة لكل المعايير القانونية ومحاطة بكل الضمانات؟.. فلماذا يصاب الجهاز بالأعطاب منذ الوهلة الأولى بعد انطلاق العمل به؟. فهل لذلك علاقة بعطب طبيعي أم بتعطيل مفتعل من أجل التهرب من استعمال أية وسيلة يمكن أن تصحح المسار وتسد كل الثغرات التي أنعشت الفساد والتسيب داخل هذا المرفق الذي تحول إلى مقبرة القوانين.
وبعد هذا السرد الشامل للوقائع والأحداث التي رافقت تجربة السوق في نسختها القديمة والجديدة، ألا يستدعي الأمر معاودة المجلس الأعلى للحسابات لنزوله إلى هذا السوق من أجل تقصي الحقائق المرتبطة بهذا الملف من جديد ، وإقامة الحجة على الذين يدعون أنهم يرعون مصالح هذه المدينة..
عن “المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين”

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى