الرئيسية / مجتمع / هكذا تحولت الهجرة السرية بمضيق جبل طارق إلى حفلات جماعية.. !

هكذا تحولت الهجرة السرية بمضيق جبل طارق إلى حفلات جماعية.. !



طنجة أنتر:

مع كل فيديو ينشره مغاربة وهم يعبرون “سراً” للضفة الأخرى، تتعدّد الأسئلة حول أسباب عودة الهجرة السرية بين المغرب وإسبانيا إلى نشاطها، خاصة وأن الأمر يتجاوز مجرّد مراقبة الحدود، إلى وجود أطراف تستفيد من الوضع.

على الدوام، كان موسم الهجرة إلى الشمال مكتظاً بآلاف القصص من مهاجرين سريين يرغبون في الوصول إلى ما يعتبرنه فردوساً أوروبيا عبر بوابة البحر الأبيض المتوسط، لكن التفاصيل تختلف على الدوام.

فقبل سنوات، اعتقد الأوروبيون أن السواحل الإسبانية لم تعد على رأس قائمة تهريب البشر بسبب تعاونٍ مثمر مع الضفة الأخرى، خاصة المغرب، ما مكّن من تقليل ظاهرة اتجهت أكثر نحو الطريق الليبية-الإيطالية. بيد أن الوضع اختلف هذا العام، وما أكدته منظمات دولية متعددة، بيّن أن “قوارب الموت” عادت إلى الحياة مجدداً في الطريق البحرية بين إسبانيا والمغرب والجزائر.

وفي الوقت الذي يُلقي فيه جزء كبير من الإعلام الإسباني باللائمة على السلطات المغربية، ويتحدث عن إهمال مغربي متعمد تبتغي من خلاله الرباط ضغطاً على مدريد حتى تعطي هذه الأخيرة اهتماما أكبر لدور المغرب في مراقبة الحدود الأوروبية، كما تقول جريدة إلموندو، فإن هناك اتهاما مشابهاً في وسائل إعلامية مغربية لإسبانيا بالتساهل، خاصة وأن تقارير إعلامية متعددة أكدت ضلوع مهربين إسبان في نقل المهاجرين.

هكذا عادت الحياة لمضيق جبل طارق!
من أصل 74.501 مهاجر وصلوا أوروبا بحراً، استقبلت إسبانيا لوحدها حوالي 43 بالمئة منهم (32.272)، وذلك في الفترة بين الأول من كانون الثاني/ يناير و12 أيلول/سبتمبر 2018، ممّا يجعلها الوجهة الأولى للهجرة السرية عبر البحر الأبيض المتوسط. والمثير أن المهاجرين لا يبالون بالموت الذي يتربص بهم في مغامرتهم، إذ اختفى حوالي 1.586 شخصاً، 350 منهم في السواحل الإسبانية والمغربية والجزائرية، حسب أرقام المنظمة الدولية للهجرة.

هكذا، وفي الوقت الذي فقدت فيه السواحل الإيطالية بريقها، مستقبلةً أقلّ رقم من الوافدين خلال السنوات الخمس الأخيرة، تنتعش السواحل الإسبانية شهراً بعد شهر. الدليل على ذلك، هو أن هذه السواحل شهدت ارتفاعاً كبيراً في عدد الوافدين منذ شهر يونيو الماضي، بل إن عدد من وصلوا إليها في يوليوز 2018، وهو 7.588 مهاجراً، يقارب العدد الإجمالي للأشهر الخمسة الأولى من العام ذاته.

وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة لـDW عربية، أن الوضع في هذه الطريق البحرية لم يصل بعد لدرجة الإنذار، لكن المنظمة نفسها تطلب الاهتمام بما يجري لأجل ضمان تنقل قانوني وآمن للمهاجرين.، مشيدة في الوقت ذاته بطريقة تدبير المغرب لملف الهجرة.

تؤكد وكالة فرونتيكس الأوروبية بدورها هذه المعطيات، إذ تشير إلى استقبال السواحل الإسبانية عبر الطريق الغربية للبحر المتوسط في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2018 حوالي 29.600 مهاجرٍ، أي ضعف ما استقبلته خلال الفترة ذاتها من العام الماضي. وتبرز الوكالة أن الجنسيات المغربية ثم الغينية ثم المالية، تحتل المراتب الأولى في قائمة راكبي مغامرة المتوسط نحو إسبانيا، علما أن عدة تقارير صحفية أشارت إلى أن انطلاق المهاجرين نحو إسبانيا يتم من عدة دول في شمال إفريقيا منها كذلك الجزائر.

ليس “الإهمال” في الحدود السبب الوحيد!
“صحيح أن ارتفاع أو انخفاض عدد المهاجرين غير النظاميين له علاقة بالإجراءات الأمنية ومدى تطبيقها، لكن السبب الأكبر في الهجرة هو ظروفهم المعيشية. فكلما زادت حدة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في بلدانهم، زادت محاولاتهم لأجل الهجرة، وكلما توّفرت مؤشرات على التنمية في بلدانهم، انخفضت محاولاتهم للهجرة”، كما يقول عمر الحرتيتي، رئيس مؤسسة Sevilla Acoge لـDW عربية.

ويضيف الحرتيتي أن من بين أسباب استعادة مضيق جبل طارق نشاطه في الهجرة السرية، هو توجه المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء إلى المغرب كبلد عبور بدل ليبيا التي ساء وضعها الأمني كثيراً، فضلاً عن نشاط مطردٍ لشبكات تهريب المخدرات التي باتت تعمل في مجال نقل المهاجرين لأجل التغطية على أنشطتها الحقيقية، وفق قوله.

“لم يتهم أيّ مسؤول إسباني المغرب بتسهيل الهجرة السرية، إلا صحفاً إسبانية معينة معروفة بخطوطها التحريرية”، يقول عبد الحميد البجوقي، خبير سابق في مجال محاربة العنصرية بإسبانيا لـDW عربية، لكنه يستدرك القول: “إذا كان المغرب يغضّ الطرف عن انطلاق المهاجرين، فإسبانيا تغض الطرف كذلك عن وصولهم، فلم تتم أيّ عملية اعتقال لمن وصلوا مؤخراً”.

ويعزو البجوقي تنامي الهجرة السرية إلى وجود فتور بين الحكومتين المغربية والإسبانية: “بدأ هذا الفتور في الأشهر الأخيرة من حكومة ماريانو راخوي واستمر مع حكومة بيدرو سانشيز”. ويتحدث البجوقي عن أن دور المغرب في حماية الحدود يحتاج منه مجهوداً كبيراً، وبالتالي يرى المغرب أن إسبانيا مطالبة بدورها بتثمين هذا المجهود عبر آليات متعددة منها التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، حسب قول المتحدث.

من يعطي الأمل للمهاجرين في إسبانيا؟
أعطى استقبال إسبانيا لسفينة أكواريوس، وعلى متنها 630 مهاجراً، بعد رفض إيطاليا ومالطا رسو السفينة بها، إشارة على تسامح الحكومة الإسبانية الجديدة مع قضايا الهجرة، خاصة وأن الحكومة ذاتها دعّمت نظام استفادة المهاجرين غير النظاميين من التغطية الصحية، وأعلنت أنها ستزيل الأسلاك الشائكة في السياجات التي تحيط بمدينتي سبتة ومليلية.

وتؤكد الحكومة الإسبانية أنها لا ترفض الهجرة الشرعية والمنظمة، خاصة لإدراكها أن بلدها يعاني من الشيخوخة، وهو جعلها عرضة لانتقادات المعارضة اليمينية التي ترفض أيّ سياسة انفتاح تجاه الهجرة. وفي هذا السياق يقول عبد الحميد البجوقي: “الحكومة الإسبانية تتعامل باحترام كبير لحقوق الإنسان في مجال الهجرة، لكن لا يمكن أن تنتظر من هذه الحكومة انفتاحاً تاماً، لأنها تواجه إكراهات كبيرة، فضلاً عن أن عمر اشتغالها لا يزال قصيراً”.

المرونة الإسبانية في التعامل مع المهاجرين غير النظاميين تظهر في غض الطرف عن وجودهم حتى وهم يقطنون أماكن معروفة، كما عليه الحال بالأكواخ في جنوب البلد. عدد من هؤلاء المهاجرين يعملون في المجال الزراعي، ووفق ما يؤكده عمر الحرتيتي، افالشركات الفلاحية تبقى من أكبر المستفيدين من المهاجرين، لأنها تشغّلهم بأجور زهيدة، خاصة وهي تعي عدم قدرتهم على الدفاع عن حقوقهم.

التأكيد ذاته يأتي على لسان البجوقي: “أكبر من يتضرّر من البطالة في البلد هم المهاجرون غير النظاميين، فغالباً ما يتم استغلالهم أو حتى استعبادهم من لدن شركات صغرى ومتوسطة أو أفراد في مجالات تصعب مراقبتها كالزراعة والعمل المنزلي”. ويوصي البجوقي بالعودة إلى نظام سابق كانت إسبانيا تتعامل به، عندما كانت تشجع هؤلاء المهاجرين على التبليغ عن حالات استغلالهم، حيث تقوم بعد ذلك بتسوية أوضاعهم، بدل استمرار الوضع الحالي الذي يهدّد كل من يُبلغ بالاعتقال ما دام وجوده غير قانوني.

لكن عدداً من هؤلاء المهاجرين، ورغم وعيهم بهذا الاستغلال، لا يجدون بديلاً، خاصة وأن منهم من يعيلون أسراً في بلدان الأصل عبر أجر يظهر زهيداً للغاية في أوروبا، بينما يظهر جيداً لدى مهاجرين يقارنون ما يحصلون عليه من يوروهات بعُملات بلدانهم. كما أن الكثيرين منهم، وفق ما يؤكده عمر الحرتيتي، لا ينظرون إلى إسبانيا بدورها سوى كبلد عبور ستنتنهي فيه المغامرة ذات يوم نحو بلدان أخرى يتصور المهاجر أنها تجسد بالفعل “الفردوس الأوروبي”.
عن الألمانية “دويتشه فيلله”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى