الرئيسية / غير مصنف / هذه مزايا ومثالب ترميم المدينة القديمة بطنجة..

هذه مزايا ومثالب ترميم المدينة القديمة بطنجة..



طنجة أنتر:

مشروع دسم وطموح طرح خلال هذه السنة بطنجة أعطيت انطلاقته في بداية شهر مارس 2020، يتعلق بإعادة ترميم وإصلاح وهيكلة فضاءات المدينة القديمة بغلاف مالي يقدر بحوالي 85 مليار درهم بتشارك بين عدد من المتدخلين ..

المشروع يهدف إلى إنقاذ النسيج العمراني للمدينة العتيقة في إطار علاقتها بمشروع الميناء الترفيهي الذي يخضع بدوره لإعادة البناء ..

الملاحظ هو أن هذا المشروع قد سبقته ثلاثة مشاريع تصب في نفس الاتجاه، كان الأول منها في بداية سنة 2000 ، وقد هم تأهيل فضاءات المدينة العتيقة أيضا بغلاف مالي قدره 16 مليون درهم، لكنه مني بالانتكاسة بسبب الاختلالات التي رافقت عملية إنجازه، فبدلا من أن يؤدي إلى إنقاذ معالم المدينة القديمة، فقد ساهم في تدهور بنيتها وإفساد معالمها.

وفي سنة 2009 طرح مشروع آخر مماثل غطت أشغاله كل محيط المدينة القديمة، وكان أحسن نسبيا، سواء من حيث نوعية المواد المستعملة وكذلك مستوى إنجاز الأشغال، لكنه لم يصمد في وجه المؤثرات السلبية، حيث انكشفت عيوبه المبكرة على أكثر من صعيد بسبب هشاشة البنية التحتية.

وفي المرة الثالثة طرح مشروع يهم ترميم أسوار المدينة التي تعرضت للإفساد والتشويه بسبب عشوائية الأشغال وغياب المهنية والحرفية لدى القائمين على تدبير المشروع، إضافة إلى عدم إخضاع الأشغال لعملية التتبع والمراقبة المستمرة، مما جعل الأشغال ناقصة وغير مكتملة، كما شابتها عدة خروقات نتيجة الاعتداء على السور التاريخي الذي تم تبليطه وإخفاء معالمه بمادة الإسمنت ..

أما المشروع الرابع فيتعلق بترميم الدور الآيلة للسقوط، والذي رصدت له 54 مليون درهم لترميم حوالي 360 دارا، وقد انطلق العمل به سنة 2019 . ويجهل إلى حد الساعة مآل هذا المشروع وحصيلة الإنجازات على أرض الواقع، حيث ظل الكل يتساءل عن مدى تحقيقه للأهداف المسطرة له ، وهل تمت وفق المعايير الكفيلة لوضع حد لهشاشة تلك المباني ..
وها نحن الآن أمام المشروع الخامس الذي يصب في نفس الاتجاه. فهل سيكون محققا للآمال، وهل سيقطع مع النماذج الفاشلة التي طبعت التجارب السابقة . ؟

إن كل المؤشرات تدل على أن التاريخ يعيد نفسه، أولها غياب الشفافية في تدبير هذا المشروع، بدليل عدم الإعلان عن التصاميم والصور والمشاهد المراد إخراجها من طرف القائمين على المشروع، سواء على مستوى اللوحات وعلامات التشوير التي تظل غائبة، و كذلك على المستوى الإعلامي، لأن برنامجا من هذا النوع الذي يدعي المسؤولون أنه يتم في إطار المقاربة التشاركية، من اللازم أن يكون معززا ببوابة إلكترونية من أجل عرض تفاصيله للرأي العام وإشراك المواطنين في إبداء الملاحظات وتتبع الأشغال ..
الارتجال الذي يطبع الأشغال، حيث يتم الاشتغال بدون وجود أي تصاميم خاصة بالمنجزات، والتي تهم شبكة الماء الشروب والتطهير السائل، الهاتف والأنترنيت، وقنوات صرف المياه الشتوية. فكل هذه الأشغال كان يجب أن تخضع للتنسيق المحكم بين كل المتدخلين لتجنب إعادة الأشغال، ثم وضعها داخل قنوات عازلة من أجل حفظ تلك التجهيزات من التلف، وضمان إمكانية التدخل دون اللجوء إلى الحفر والهدم في حالة وقوع عطب في المستقبل، مع فسح المجال لتتبعها بكاميرات المراقبة بالنسبة لكل شبكة على حدة ..
إن إنجاز الأشغال في غياب تصور واضح، قد فرض التدخل أكثر من مرة لتغيير مسارات الأعمدة الكهربائية واستبدال الشبكة وحفر الطرقات واقتلاع الأرصفة ..مثل ما جرى في مدخل المسجد الأعظم، وفي ساحة المسيرة، وفي السوق الداخل. فقد تمت إعادة الأشغال أكثر من مرة، مع ما رافقها من تبذير وضياع للمال العام ..
غياب الإتقان والمهنية في إنجاز الأشغال، ويتجلى ذلك في طريقة تبليط الطرقات بالرخام، حيث يبدو من الوهلة الأولى وجود انزياح أو اعوجاج وعدم التناسق، وتفكك قطع الرخام، ثم وجود فراغات وتشوهات لا يقبلها الذوق السليم، كما أنها تنذر بالتفكك والزوال، والتسبب في تعثر الراجلين.
غياب آليات التنسيق بين المتدخلين من أجل تحديد أولويات كل تدخل،والمثال هو ترميم واجهات المنازل بعدالقيام بعملية تبليط الطرقات بالرخام، مما يعرض الأشغال المنجزة للتلف نتيجة تساقط مواد البناء والردم والطلاء ..
إن غياب التصاميم، ثم المواصفات الدقيقة الخاصة بكل مشروع، يعد سببا للارتجال واعتماد التجريب والتردد في اختيار النماذج الملائمة .. فبعد تهيئة ساحة إسبانيا في المرة الأولى وتغطيتها بالأسفلت، كان التصميم خاليا من النافورة، وسرعان ما صدر الأمر بإقحام تلك النافورة العجيبة التي تم بناؤها بعد القيام بعملية الهدم والحفر من جديد ..
إن تجديد شبكة الصرف الصحي وكذلك قنوات الماء الشروب يعد من المنجزات التي من شأنها تقوية النسيج العمراني للمدينة القديمة، إضافة إلى عملية ترميم المباني، لكن الملاحظ هو الطابع الانتقائي لهذه العملية، حيث يتم الاقتصار على تجديد البالوعات دون اسبتدال قنوات الصرف الصحي في بعض الأزقة الداخلية، ثم عدم الاهتمام بإحداث قنوات صرف المياه الشتوية، وهو ما يجب التأكد منه قبل تبليط الطرقات وتغطيتها بالرخام.
الانتقائية في التعاطي مع الفضاءات وكذلك المباني والمرافق المستهدفة بالترميم، ففي غياب المعلومة، يخشى أن تستثنى بعض المباني الأثرية، وكذلك بعض المرافق والفضاءات ذات الطابع التاريخي..
إن الإيجابي في هذه التجربة هو اللجوء إلى تقوية الأرضية وقارعة الطرقات والأزقة بطبقة عريضة من الإسمنت المسلح على مستوى يمكن أن يحد مستقبلا من التسربات ومن إنزياح المباني .. لكن الملاحظ هو تسويتها مع مداخل وأبواب المحلات التجارية أو تجاوزها في مستوى العلو، مما سيتسبب في إغراقها بمياه السيول .. والإيجابية الأخرى تكمن في القيام بتغيير أبواب وواجهات المباني والمحلات التجارية بأبواب من الخشب الرفيع الذي أعجب به البعض وانتقده البعض الآخر ، وقد فوجئ الناس في نهاية الأمر بتراجع المسؤولين عن الشكل الأول الذي تم عرضه كنموذج .. وقد عبروا عن احتجاجهم على ذلك مطالبين بتوحيد الشكل وضمان الجودة في مادة الخشب وفي الأشغال أيضا.

والملاحظ هو أن استعمال الخشب بهذا الشكل سيطرح مشكلا آخر يتعلق بالجانب الأمني، وخصوصا بالنسبة للمحلات التي لا يمكنها أن تزاوج بين الاحتفاظ بالأبواب المعدنية الحصينة المتوفرة لديها وبين الأبواب الخشبية، والتي يرى العديد من التجار أنها ستكون معرضة للاعتداءات بسبب ضعف هيكلها..

هل الأولوية للرخام أم للانسان المتخلى عنه ؟

كانت المدينة القديمة الأكثر تضررا من عملية تنقيل ميناء البضائع والمسافرين، وقد أعقب ذلك إغلاق عدد كبير من المحلات التجارية والمرافق السياحية، مما عجل بدخول المنطقة في طور الاحتضار .

وقد تضاعف المشكل مع حلول جائحة كورونا التي قضت نهائيا على النفس السياحي لمدينة طنجة التي لم تعد تستقبل سائحا واحدا، مما جعل كل المهنيين السياحيين يعانون من الأزمة الخانقة التي تقض مضاجعهم بعد أن تخلى المسؤولون عنهم ولم يعودوا يلتفتون لحالهم، ولذلك جعل الكثير منهم يتساءلون عن مدى مصداقية هذه المشاريع وقدرتها على تغيير واقعهم الأليم .. وأخذ البعض يتساءل عن السر في استبدال رخام بآخر ، وخاصة إذا كان ما زال سليما معافى ؟

ألا يدل ذلك على آفة التبذير وهدر المال العام؟ .. فهم يرون أن الأولوية يجب أن تعطى للإنسان وللعنصر البشري قبل الحجر والتراب، بالنظر لما تتسم به المنطقة من هشاشة تجاوزت كل المقاييس. فكل الأمراض الاجتماعية قد تجمعت في محيطها، بطالة وانحراف وتعاطي كل أنواع الموبقات والسكن غير اللائق والتشرد والانحراف والإدمان على المخدرات، وغياب الأمن، والبناء العشوائي، …في مقابل عدم وجود أي مصدر للرزق الحلال الذي يحفظ كرامة الإنسان، ثم تزايد مظاهر الفقر المدقع المنتشر في أوساط كل الفئات الاجتماعية .. فكل هذه العوامل الضاغطة تجعل ساكنة المدينة القديمة وكذلك التجار والمهنيين ينظرون بتشاؤم إلى هذه المشاريع التي تتعالى عن الواقع ..ومما يعمق هذا الإحساس هو إقصاؤهم من العملية وعدم إشراكهم في إبداء الرأي قبل اتخاذ القرار الفوقي الذي يتم تنزيله في النهاية عن طريق التعليمات ..

مشروع ترميم الدور الآيلة للسقوط والعمل المبتور:

وبالعودة إلى مشروع ترميم الدور الآيلة للسقوط، فقد بدا للعيان أن العملية لم تجر وفق الشكل المطلوب والمتفق عليه، حيث سلمت بعض الدور إلى أهلها مجردة من الأبواب والنوافذ الداخلية والخارجية باستثناء الباب الرئيسي، فظل الناس يسترون أنفسهم بخرق من الثوب في انتظار حلول موسم الشتاء ليعانوا من تسرب مياه المطر ولسعات البرد القارس .. ولم يتلقوا أي جواب عن النقص المسجل على مستوى التجهيز، بل طلب منهم تسلم مساكنهم وتحمل تكلفة القيام بتجهيزها على نفقتهم، علما أن هذه الدور قبل إفراغها من السكان كانت مزودة بكل التجهيزات الداخلية التي تم اقتلاعها ونقلها إلى مستودع للمتلاشيات تابع للمقاولة المكلفة بالأشغال يوجد في طريق القصبة من أجل بيعها في سوق الخردة ..

سور المدينة المعتدى عليه:

أما فيما يخص سور المدينة التاريخي، فقد تلقى ضربة قاضية بسبب نوعية التدخلات المنجزة، والتي استعملت فيها مواد لا تتلاءم مع طبيعة وبنية تلك الأسوار التاريخية، مما كان سببا في إتلاف معالمها، وتغيير طبيعتها بشكل قد يساهم في تزييف الحقائق التاريخية .

فكيف يكمن أن نحدث السائح عن السور الروماني أو الموحدي أو البرتغالي بعد أن أصبح السور فاقدا لهويته بسبب استعمال طبقة سميكة من الإسمنت..أو نتيجة تغليفه بالحجارة؟ والمؤسف أن الكثير من تلك الأشغال ظلت ناقصة ولم تعرف طريقها إلى النهاية.

كما تم الاعتداء على السور في عدة نقط بسبب تساهل المسؤولين مع أشغال البناء العشوائي الذي تجاوز كل الحدود ..وقد نتج عن ذلك خلق نمط من المعمار غير المتجانس، لا صلة له بطبيعة المدن التاريخية العتيقة ..

ويمكن الاستدلال بكثير من الأمثلة في هذا الصدد، التشوه الحاصل على مستوى الصور المتصل بطريق البرتغال، وكذلك سور برج دار الدباغ الذي لم تكتمل أشغاله، وكذلك أسوار مدخل باب المرسى الذي ما زال يرشح بإفرازات المياه العادمة ، ثم سور باب القصبة الذي تم تغليفه بالحجارة دون إتمام كل الأشغال ..

سجن القصبة مهدد بفقد قيمته التاريخية:

أما سجن القصبة التاريخي فله شأن آخر، حيث خضع لترميم وإصلاحات ساهمت في تغيير معالمه الداخلية والخارجية، وذلك بسبب تركيز الأشغال على تجريده من تجهيزاته الداخلية التي تحولت إلى غنيمة، وخصوصا تلك المكونات الحديدية والغرف والمرافق التي كانت في معظمها مزودة بالشبابيك الحديدية والأبواب الضخمة، ثم الأواني والآثاث.

فانطلاقا من الشريط الذي أطلقه ذ/ عبد الصادق يتبن أن الأشغال الجارية في هذا المبنى تشكل اعتداء سافرا على التراث، كما أنها تعبر عن أعلى مستويات الجهل بطبيعة المبنى وقيمته التاريخية ..

فإذا كان هذا المشروع يهدف إلى تحويل السجن إلى متحف للوثائق التاريخية، أليس من الأولى الحفاظ على محتوياته وتجهيزاته وممتلكاته وأرشيفه من أجل نقل الرسالة إلى الأجيال المقبلة ، والحيلولة دون تشويه التاريخ وقلب الحقائق التاريخية والمعرفية ..؟

من أجل إبراء الذمة:

تلك بعض من ملاحظاتنا التي نرفعها إلى الجهات المسؤولة التي تعتقد أنها تحسن صنعا؟، وأنه لا غبار على إنجازاتها الخالدة، بسبب تحكم عقلية المقاولة التي تهدف إلى تصيد الفرص وفتح المجال أمام الصفقات التي ينسخ بعضها بعضا.. ومن أجل التأكيد على هذا التوجه يتم إنجاز مشاريع هزيلة قصيرة المدى لا تصمد إلا أياما معدودات لفسح المجال أمام مشاريع أخرى تحل محلها لتستمر عملية إنعاش دورة اقتصاد الريع.
ومن أجل القطع مع التجارب المؤلمة، وتقديم الضمانات بخصوص ما يتم تنزيله على أرض الواقع في إطار البرنامج الحالي الذي يفترض فيه أن يكون منصة للإقلاع الاقتصادي وإنعاش المدينة ومعالجة الأعطاب التي تعوق تقدمها، نهيب بالجهات المسؤولة التخلي عن سياسة الأبواب المغلقة، وإطلاع الرأي العام على كل التفاصيل بخصوص هذا المشروع الطموح، وفي هذا الصدد ندعو ها إلى الانفتاح على مكونات الرأي العام عن طريق تعميق النقاش مع كل المتدخلين وإطلاعهم على كل التفاصيل المتعلقة بهذه المشروع، من أجل التشاور والتقييم وتدارك الأخطاء والهفوات قبل وفاة الأوان..

عن “المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين”

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى