آخر الأخبار
الرئيسية / تربية و تعليم / نحن شعب طيب.. طيب جداً إلى درجة القرف

نحن شعب طيب.. طيب جداً إلى درجة القرف


Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2014-02-22 17:41:45Z | | •Û

طنجة أنتر:

لا يوجد مغربي لم يسمع بالحكمة المغربية العميقة التي تقول “من الخيمة خرج مايل”، ليس، فقط، لأننا شعب يحب الحِكم في ظل غباء الحكماء والحاكمين، بل لأننا، أيضاً، بلد معوج بكل المقاييس، بلد خرج مائلا من الخيمة ويسقط باستمرار، إلى درجة أن السقوط صار هو القاعدة.

عندما تفجر الحديث عن إلغاء مجانية التعليم العمومي مارسنا ما نمارسه دائماً وهو التظاهر بالصدمة، مع أننا نعرف أن التعليم في هذه البلاد خرج من الخيمة مائلا منذ اليوم الأول لما يسمى الاستقلال، وما يحدث اليوم مجرد تحصيل حاصل، لأن الخراب ابتدأ منذ زمن بعيد، وما نراه اليوم مجرد ركام لقنبلة انفجرت في التعليم العمومي من زمان.

منذ عقود تم فرض نظام “الأبارتهايد” العنصري في مجال التعليم، تعليم راق للقوم “الألبّة”، وتعليم متقشف ومريض لما يسمى الشعب، ومع ذلك قاتل المغاربة ودرسوا أبناءهم في تعليم عمومي صار يحتضر سنة تلو أخرى، وكلنا نتذكر المجازر الرهيبة التي ارتكبت في حق هذا التعليم، إلى درجة تحول إلى أداة رهيبة في أيدي المسؤولين من أجل تجهيل هذا الشعب، لأنهم ظلوا دائماً يعتقدون أن حكم شعب جاهل وأمي أسهل كثيرا من حكم شعب قارئ وواع، وهم محقون تماماً في اعتقادهم. ولا بد أن نتذكر تلك المذبحة التي جرت سنوات الثمانينيات في حق التعليم العمومي حين تم طرد عشرات الآلاف من أبناء الشعب من المدارس العمومية عبر قوانين انتقامية صدرت مباشرة بعد انتفاضة الكرامة في يونيو 1981 بالدار البيضاء. هكذا كانوا ينتقمون من التعليم العمومي في كل مرة يطالب الشعب بالكرامة.

لكن أسوأ ما تعرض له التعليم العمومي هو التسميم، أي تسميمه من الداخل عبر تغيير المناهج وجعله منبرا للتجارب الفاسدة والهجينة، المحلية منها والمستورة، فصار التعريب والفرنسة بمثابة كابوس حقيقي أثبت إلى أي حد لا يستحق المغاربة حكامهم، حكام لا يستطيعون حتى الثبات على نظرية تعليمية واحدة لمدة خمس أو عشر سنوات، إلى درجة صار معها التلميذ المغربي مثل فأر حقيقي لا يكاد يخرج من المختبر حتى يعود إليه.

وسط كل هذا التدمير الذي تعرض له التعليم العمومي كانت هناك مافيا حقيقية جعلت منه وسيلة للاغتناء عبر الكتب المدرسية التي تتغير باستمرار كما يتغير لون الحرباء، ومع ذلك لا نزال نعتبر تجار المخدرات على رأس الذين يستفيدون من الربح السريع والسهل، وننسى تجار الكتب المدرسية.

في كل هذه الحرب كانت عملية التصفية الجسدية للتعليم العمومي تسير بوتيرة سريعة، وفي كل مرة يربح التعليم الخاص مواقع أكثر كان التعليم العمومي يتحول إلى منطقة منكوبة، ليس بالزلازل والبراكين، بل بالسياسات الفاسدة والقرارات اللئيمة، ويمكننا القول إن ما حدث مع التعليم العمومي يشبه كثيرا ما حدث مع القفة التي تركت مكانها شيئا فشيئا للميكا، وعندما استيقظنا على مخاطر الميكا كان الأوان قد فات.

إلغاء مجانية التعليم العمومي لم تأت إلا في سياق إجبار الشعب على أداء ما سرقه الفاسدون. وخلال العقد الأخير على الخصوص، رأينا درجة النهب التي تعرضت لها ميزانيات ضخمة رصدت لسياسات تعليمية حمقاء مثل المخطط الاستعجالي ومدرسة النجاح وغيرها. لقد تحول المخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم إلى مخطط استعجالي للسرقة والنهب من طرف الآلاف من المشرفين على هذا المخطط، وما القضايا التي وصلت إلى المحاكم إلا جزء بسيط جداً من الفظائع التي ارتكبت باسم هذا المخطط.

قدر المغاربة أن يؤدوا الثمن في كل شيء، وعندما صدر قرار رفع سن التقاعد ما فوق الستين فإن ذلك جاء من أجل دفع الثمن وإغلاق الثقوب الرهيبة التي تركها النهابون في صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي. وعندما جاء قرار إلغاء صندوق المقاصة فإن ذلك جاء من أجل عدم محاسبة كبار اللصوص الذين استغلوا هذا الصندوق لسنوات طوال دون حسيب، وعندما صدر قرار إدخال نظام الوظيفة العمومية في إطار التعاقد فإن ذلك جاء لتجنب طرد ومحاسبة عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من الموظفين الأشباح، وعندما بدأت الاقتطاعات البنكية للضرائب الصغيرة من حسابات البسطاء فإن ذلك جاء لتجنيب كبار المتهربين أداء الضرائب بآلاف الملايير، وعندما يتم تنظيم حملات أمنية على الطرقات ضد صغار المهربين المعيشيين فإن ذلك يتم للتغطية على أباطرة التهريب، وهكذا يمكن أن نستمر في السرد إلى ما لا نهاية، أي أن المغاربة، لا يجب أن يرضخوا فقط لهيمنة اللصوص، بل يجب ألا يتسببوا في إغضاب اللصوص، فنحن شعب طيب.. طيب جداً إلى درجة القرف.
عبد الله الدامون/ المساء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى