الرئيسية / أشياء.. و أشياء / من دخل دار حفْتر فهو آمن.. ومن دخل دار السيسي فهو آمن

من دخل دار حفْتر فهو آمن.. ومن دخل دار السيسي فهو آمن



الليبيون انتفضوا ضد القذافي وأسقطوه ثم قتلوه، وربما لم يقتله الليبيون بل قتلته فرنسا وعدد من بلدان الخليج لأنه ثرثار ويتكلم أكثر من اللازم، والثرثار من عادته أن يكشف أسرارا كثيرة حتى من دون أن يشعر، لذلك كان لا بد من دفن السر في بئر، وها هي الأسرار الكبرى مدفونة مع القذافي في حفرة لن يتعرف عليها الجن الأزرق.

القذافي صار جزءا من الماضي، لكن شبحه سيظل محلقا لوقت طويل فوق رؤوس الليبيين وغير الليبيين. ففي فرنسا صار الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، متهما بتلقي أموال من الخارج لدعم حملاته الانتخابية ولأشياء أخرى، والمصدر الأساسي لهذه الأموال هي ليبيا، بل القذافي بالتحديد، وهذا يفسر إلى أي حد كان ساركوزي متحمسا لقتل القذافي بسرعة.

القذافي، وبعد فشله في مطاردة الليبيين دار دار وزنكة زنكة، كان على وشك الهروب والوصول إلى دولة إفريقية حيث سيجد قبائل إفريقية ستحميه، ليس لسواد عيونه، بل لأن المال سيد الزمان والمكان، لكن بلدانا كثيرة، عربية وغير عربية، كان يهمها أن يخرس القذافي إلى الأبد، لذلك قتلوه ووضعوا جثته في على حصير رث لكي يطوف بها الليبيون ويلتقطوا معها صورا وهم يضعون على أنوفهم قطع ثوب حتى لا يتأذوا بعفونة جثة “ملك الملوك”.

يقال إن الناس الذين يموتون في ظروف مريبة أو تبقى في جوفهم أسرار كثيرة عادة ما تعود أشباحهم إلى الحياة في محاولة الاتصال بالأحياء لكي يوصلوا لهم أسرارهم المدفونة معهم، وها هو ساركوزي أول المعنيين بعودة شبح القذافي.

لكن شبح القذافي يخيم اليوم فوق ليبيا كلها. فالليبيون الذين أسقطوه صاروا اليوم يتعاطفون مع واحد من أكثر المقربين منه، واسمه خليفة حفتر. هذا الحفتر يشبه القذافي في أشياء كثيرة، في شكله وفي “هباله” وفي زيه العسكري وفي أحلامه الجامحة والعابرة للحدود.

من الصعب أن تنشب ثورة في بلد ما ثم يشتاق “الثوار” للقائد الذي أطاحوا به. هكذا صار ليبيون كثيرون يشتاقون لزمن القذافي، لذلك صاروا يدعمون حفتر الذي وعدهم بالأمن والخبز والأمان.

من عادة الثورات، رغم أن ما حدث في بلدان عربية ليست ثورات حقيقية، أن تحمل اضطرابات أمنية ومجاعات، لكن الأحوال تستقر بعد بضع سنين أو بضعة عقود، لكن الشعوب العربية لا تحتمل الكثير من الصبر، لذلك يظهر فجأة “ثوار جدد” يعدون الناس بإعادتهم إلى العهد القديم، عهد الخبز والخنوع، فينساق الناس وراءهم كما انساقت الفئران وراء عازف الناي في حكاية الأطفال الشهيرة.

ما حدث في ليبيا حدث في مصر بشكل يصل حد التطابق. المصريون عاشوا ردحا طويلا تحت جناح فرعون صغير اسمه محمد حسني مبارك، وهذا المتفرعن كان يُعدّ ابنه جمال لخلافته كما كان يفعل كل الفراعنة، لكن حدثت معجزة وأطاح المصريون بفخامة الريّس وأدخلوه السجن وأجريت انتخابات جاء فيها رئيس جديد في زمن جديد، ثم بدا وكأن الماضي لن يعود.. لن يعود أبدا.

لكن العرب “حاجة تانْية خالص”، فبعد بضعة أشهر ظهر عسكري مثل مبارك، واسمه عبد الفتاح السيسي، ووعد الناس بإعادتهم إلى زمن ما قبل الثورة، وهو أيضا وعد الناس بتوفير الخبز والأمان و”البوطاغاز”.

العسكري الحاكم في مصر يشبه حفتر ليبيا. يقول للناس أن الماضي أفضل بكثير من المستقبل، وأن الرغيف أهم بكثير من الكرامة، وأن علبة حليب أفضل من ألف ثورة، وأن من يأوي كل مساء إلى منزله آمنا لا بد أن يكون أسعد مخلوق في العالم حتى لو نام مباشرة تحت حذاء الحاكم.

على مدى عقود طويلة عاشت الشعوب العربية تحت أحذية حكام لصوص وجبابرة. إنهم حكام لم يقدموا لشعوبهم غير المعاناة والفقر والجوع، وعندما حدثت صدفة غير متوقعة وانتفض الناس، لم يدم الغضب إلا أشهرا.. ثم عاد الغاضبون للنوم تحت أجنحة المغضوب عليهم.

خليفة حفتر وعبد الفتاح السيسي يلخصان واقع الشعوب العربية. فالشعوب الجائعة والجاهلة لا تصنع الثورات، إنها تغضب فقط، وربما لا تغضب أبدا. إنها تريد العيش تحت جناح زعيم يكفكف دمعها ويكذب عليها كما يفعل أي أب عاجز مع أطفاله الجوعى، حيث يطعمهم الكثير من الأوهام والوعود.

يا أيتها الشعوب العربية.. من دخل دار حفتر فهو آمن.. ومن دخل دار السيسي فهو آمن.. ومن دخل داره وأقفل عليه بابه فهو آمن.. ومن “دخل جْواه” فهو آمن.. ومن دخل “سوقْ راسُو” فهو آمن..

آش بينْكُم وبين شي ثورة..؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى