الرئيسية / ثقافة و فن / من خذوني.. والصينية.. وفلسطين.. إلى مهمومة: يا زمان الوصل بـناس الغيوان!

من خذوني.. والصينية.. وفلسطين.. إلى مهمومة: يا زمان الوصل بـناس الغيوان!



طنجة أنتر:

“ناس الغيوان” (ناس المغنى) مجموعة غنائية مغربية ملأت الدنيا وشغلت الناس منذ ظهورها بداية سبعينيات القرن الماضي، إذ نجحت في نحت معالم مدرسة جديدة في مجال الغناء بالمغرب، تجاوزت شهرتها موطنها لتشمل العالم العربي وأوروبا.

لم تنطلق المجموعة من الصفر، إذ ساهمت مشاركة أعضائها في مسرحيات الطيب الصديقي -أحد رموز المسرح المغربي- في إبراز قدراتهم الغنائية، وفي هذا الباب، تعتبر مسرحية “الحراز” الغنائية من أبرز محطات الفريق الذي سيؤسس “ناس الغيوان”.

اعتمدت “ناس الغيوان” -المكونة من خمسة أعضاء- في صناعة صورتها الفنية على تناغم أصوات أعضائها وخاصة الراحلين العربي باطما وبوجميع حكور، إلى جانب كل من عبد الرحمن قيروش الشهير بلقب “باكو” (عوّض عبد العزيز الطاهري الذي ترك الفرقة مبكرا) وعمر السيد وعلال يعلى، كما اعتمدت على الآلات الموسيقية الشعبية البسيطة، بينها البندير (الدف)، والهجهوج، والبانجو، والطبل الثنائي المعروف محليا بـ”طام طام”.

كما ركزت على التراث الثري للزجل المغربي، وعلى الأبحاث التي أجريت في هذا المجال، إلى جانب الأغاني التي كتبها أعضاء المجموعة وخاصة العربي باطما.

وما ساعد المجموعة على الانتشار وجعلها تلهم كثيرين لإنشاء مجموعات مشابهة داخل المغرب وخارجه، ظهورها في عقد السبعينيات، وهي فترة كانت تشهد حراكا سياسيا وفكريا نشطا ليس فقط في المغرب، بل في العالم أجمع، مما انعكس على أغانيها التي لامست هموم الشارع المغربي اليومية، وقضايا الأمة العربية وخاصة فلسطين.

ولم تحصر “ناس الغيوان” نفسها في دائرة الأغاني العاطفية على عكس النمط الغنائي السائد وقتها والمستمر حتى الآن.

وعلى مدى مسارها الغنائي الطويل، أنتجت المجموعة عشرات الأغاني التي ألهبت مشاعر عشاقها، ولعل الأغاني الخمس التالية يمكن اعتبارها من أكثر المحطات التي ساعدت على نحت اسم “ناس الغيوان” في تاريخ الغناء المغربي بوصفها إحدى أبرز الظواهر الغنائية المميزة:

“الصينية”
في المغرب، تستخدم “الصينية” أساسا لتقديم كؤوس الشاي لأفراد الأسرة والضيوف، وتكمن أهميتها في أغنية “ناس الغيوان” في أنها الركيزة التي كان يلتف حولها الأهل والأحباب لتجاذب أطراف الحديث، وصارت تذكّر المغتربين بتلك اللحظات التي جمعتهم في ما مضى بمن يحبون.

لذلك تبدأ الأغنية بموال حزين يخاطب فيه باطما وبعده بوجميع “الصينية”، ويسألانها عن أحوال من تجمعوا حولها ذات يوم، وصاروا الآن بعيدين، كما يسألانها عن سر حزن الكؤوس التي اعتادت صنع الفرحة في الماضي.

“غير خذوني”
“غير خذوني”، أي “فقط خذوني”، هي أغنية تزامنت مع صراع السلطة والمعارضة في المغرب، حيث امتلأت السجون بالمعارضين، في وقت اشتد فيه نقد المعارضة اليسارية للنظام ولرموز الأجهزة الأمنية بقيادة أحمد الدليمي، اليد اليمنى للملك الراحل الحسن الثاني، وخلفه إدريس البصري.

تبدأ الأغنية بموال يدشنه عمر السيد بصرخة تذكر بصرخات السجناء الذين يئنون من شدة التعذيب، وتنسجم الكلمات مع أجواء الصراع السياسي والاعتقالات والمحاكمات، فتتحدث عن الدم المغدور، وعن القلب الذي يئن من ضربات الحداد الذي لا تأخذه به شفقة ولا رحمة، كما تتحدث عن ضحايا الصمت، وعن الأب الغائب والشوق الدائم إلى رؤيته.

“مهمومة”
أغنية عبارة عن دردشة مع الإنسان المهموم المظلوم، الذي يعاني من الفقر والتهميش ومخاطر الاعتقال ظلما.

تتحدث الأغنية أيضا عن السجون المليئة بالأطفال، وعن الرجال الذين ماتوا برسائل ملغمة، مثلما حدث في سبعينيات القرن الماضي مع معارضين يساريين.

وتعقد الأغنية مقارنة بين المسكين الذي يعاني من حمى التفكير في ضروريات الحياة وما يخبئه الغد له، وبين صاحب الأموال الذي تتلخص “همومه” في السهرات والليالي الحمر، في ظل غياب حرمة الدين والأخلاق. بل تدعو الأغنية لعدم الاستغراب من الواقع المؤلم بالنظر إلى أن “العالم مات”، و”نوائحه مقيومة” (سرادقات العزاء والنياحة الخاصة به قائمة).

ولأن الجو جو غياب الديمقراطية والعدل، حيث غابت الشورى وأغلقت الأفواه، فإنه ليس مستغربا أيضا أن تكون “يد الطاغي على الوجه مرسومة”.

“السمطة” (الحزام)
أغنية قوية المضمون، ركزت على إبراز الفوارق الاجتماعية بين الفقراء والأغنياء، فتحدثت عن “العمارات العالية” وعن “لكواخ مردومين” (الأكواخ المدفونة)، وعن “المسابح الدافقة” المليئة بالمياه، مقابل فدادين الفقراء المحروقة من العطش والجفاف.

كما تحدثت عن البحور العامرة بالخيرات العظيمة لكن “احنا (نحن) جيعانين (جوعى)”، فالأرض أرض خير و”كنوزها مفتوحين”، لكن “الوحوش الضارية أنيابها ممدودين”.

ونتيجة لذلك فإن الشمس تغطي على المكان لكن البيوت مظلمة، علما أن المواطن موجود وهو صاحب البلد، لكنه مهدد بضربات “السمطة” (الحزام) من فوق.

فلسطين
قضية فلسطين كانت حاضرة في تراث “ناس الغيوان”، وتحدثت أغنية “انتفاضة” إلى أطفال الحجارة، ومجّدت أيديهم وأحجارهم، وحضتهم على الاستمرار في رجم المحتل وعساكره.

وخاطبت الأغنية الانتفاضة قائلة “دومي دومي، يا انتفاضة دومي، بحجارك دومي، بصغارك دومي، ضد جيوش الاحتلال”.

كما كانت فلسطين أيضا حاضرة في أغنية شهيرة تحمل عنوان “صبرا وشاتيلا” تحدثت عن المجزرة التي نفذها الاحتلال الإسرائيلي وأدواته في لبنان ضد الفلسطينيين عام 1982.

تحدثت الأغنية عن العالم الذي أصبح القتل فيه جاهزا وجائزا، وعن الأطفال الباكين، والأرواح المحاصَرة، وكيف أن الجميع سكت حتى انتهت إسرائيل وأدواتها من قتل الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا.

ورسمت الأغنية أيضا صورة المجزرة في كلمات حاولت عكس المأساة بالقول إن القتل كان في كل مكان، في الجبال والوديان والغابات، ولم ترحم لا امرأة، ولا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا.
عن “الجزيرة.نت”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى