الرئيسية / مجتمع / متطوعون مغاربة يواجهون جوع المشردين بخطة “زيرو جائع”..

متطوعون مغاربة يواجهون جوع المشردين بخطة “زيرو جائع”..



طنجة أنتر:

بجدران من ورق الكرتون مثبتة بصناديق خشبية، صنع العربي بيتا غير مسقوف في أحد الأزقة الضيقة بالمدينة القديمة بالعاصمة المغربية الرباط، يقضي فيه لياليه الطويلة والقاسية منذ 13 عاما، حتى صار جزءا من فسيفساء المكان.

يفترش العربي بطانية ويلتحف أخرى، ويتكئ ملفعا بدفء معطفه الرمادي في ليالي يناير/كانون الثاني الباردة. يستوي في جلسته بمجرد ما يلمح اقتراب بعض الشباب منه، يبادرهم بالتحية والكلام وهو الذي اعتاد رؤيتهم في أيام الآحاد محملين بأكياس الطعام.

رشيد وزهرة والشيخ من متطوعي مبادرة “زيرو جائع” (يعني صفر جائع)، وهي مبادرة شبابية انطلقت منذ أزيد من سنة، تهتم بتوزيع الطعام على أشخاص دفعتهم ظروفهم إلى عيش حياة بلا ألوان، والمبيت في الشوارع والبنايات المهجورة والحدائق العمومية.

تتزاحم الكلمات في فم العربي وهو يشكر متطوعي المبادرة على البطانية التي وعدوه بها، ويطلب منهم أن يتذكروه بين الفينة والأخرى ويسألوا عن أحواله، فروحه كما يقول تنتعش بسؤال الناس عنه.

قول رشيد بكار صاحب الفكرة إن “زيرو جائع” تهدف إلى إعادة إحياء قيم التضامن والتكافل في المجتمع المغربي، ونشر العمل التطوعي في صفوف الشباب، ثم لفت الانتباه إلى شريحة من المغاربة دفعتهم ظروف قاسية للعيش بلا مأوى.

تجربة إنسانية
غير بعيد عن العربي، ووسط ساحة مقابلة لشارع محمد الخامس أشهر شوارع العاصمة، تنهمك نجمة في ملاعبة القطط، قبل أن تنتبه لوقوف إحدى متطوعات “زيرو جائع” بجانبها. وبعد أن تأخذ كيس طعامها، تبدأ حديثا وديا عن قططها ثم تنادي كل واحد باسمه لإلقاء التحية.

تنحدر هذه العجوز التي رسم الزمن أخاديد على وجهها الشاحب، من مدينة سلا كما تقول في حديثها مع الشابة زهرة، تقضي سحابة يومها تحت ظل شجرة وتعيش على عطايا العابرين من المكان.

وانضمت زهرة أمزوك وهي طالبة بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة لهذه المبادرة منذ أشهر. وبعد أن كانت تتابعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قررت تأسيس ناد للمتطوعين بالمعهد الذي تدرس فيه.

تحكي زهرة بحماس أنها شاركت خمس مرات في عملية توزيع الطعام، تتجول في الصباحات الباكرة رفقة فريق المتطوعين في الأزقة والشوارع بحثا عن أشخاص بلا مأوى.

تقول إنها صادفت أثناء هذه العملية قصصا إنسانية حزينة لرجال ونساء وأطفال ينامون على الأرض أو البطانيات أو داخل أكياس بلاستيكية.

وكشفت نتائج الإحصاء العام للسكان الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط في المغرب في 2014، أن عدد الأشخاص بلا مأوى في المغرب بلغ حوالي 7200 شخص يعيش معظمهم (90%) بالمدن.

ولادة واستمرار
ولدت فكرة “زيرو جائع” من رحم تجربة شخصية لرشيد بكار، هذا المهندس الشاب الذي يهوى السفر والتجوال على الأقدام، اضطر في إحدى رحلاته من الرباط إلى مرزوكة (جنوب) لقضاء الليل بمدينة آزرو بالأطلس المتوسط، وهناك استضافه أشخاص يعيشون في الشارع، تقاسموا معه زادهم القليل وقصصهم الحزينة.

“أدركت أن أي شخص معرض ليصبح بلا مأوى” يقول رشيد، مضيفا أن تلك الليلة ظلت محفورة في ذاكرته، وشكلت حافزا للتفكير في فعل شيء لهؤلاء.

بعد العودة من رحلته كتب رشيد تدوينة على صفحته في فيسبوك، دعا فيها لتنظيم فعالية لتوزيع الطعام على الأشخاص بلا مأوى في الرباط، تجاوب عدد من الأصدقاء مع الفكرة فانطلقت المبادرة في ماي 2017.

الافتراضي والميداني
غير أن التحدي الذي كان يواجهه رشيد وأصدقاؤه هو: كيف يصبح هذا التفاعل الافتراضي مع الفكرة عملا ميدانيا مستمرا وجادا ومثمرا، لذلك وزعوا المتطوعين في فرق، يشارك كل فريق في المبادرة مرة في الشهر، مما سهل التزامهم بالاستمرار فيها.

وتحولت الفكرة بعد أزيد من عام على إطلاقها في منصات التواصل الاجتماعي إلى جمعية مدنية، وبلغ عدد المتطوعين فيها 800 شخص يتوزعون في 16 مدينة معظمهم طلبة مهندسون، وبعد أن كان الاعتماد أساسا على تبرعات الأعضاء تفاعلت بعض المطاعم معهم وصارت تزودهم بالطعام.

يقول رشيد إن الهدف ليس توزيع الطعام فقط، بل التواصل مع أشخاص بلا مأوى وبناء علاقة ثقة معهم وتعرف حاجياتهم، مما سيمكن الجمعية في المستقبل من تحسين ظروف عيشهم وانتشالهم من حياة التشرد.

ويأمل المتطوعون المنتشرون في مدن المغرب المختلفة أن تكون فكرة “زيرو جائع” في كل حي، وأن توزع وجبات الطعام يوميا لتشمل جميع الأشخاص بلا مأوى، في إحياء لقيم التضامن والتكافل التي تميز المجتمع المغربي.
عن “الجزيرة.نت”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى