الرئيسية / غير مصنف / ما يحدث لبنكيران هذه الأيام تسبب هو فيه قبل خمس سنوات!

ما يحدث لبنكيران هذه الأيام تسبب هو فيه قبل خمس سنوات!



طنجة أنتر:

قبل بضعة أيام تفاءل المغاربة بشكل مفاجئ وصاروا متأكدين من أن الإعلان عن الحكومة سيتم في مارس المقبل، وكلما سألت أحدا من العارفين، أو من المتظاهرين بالمعرفة، يقول إن الحكومة المقبلة سترى النور في نهاية الشهر المقبل، على أبعد تقدير، وكأنها رؤيا جماعية في المنام أو معلومة سحرية من كرة بلورية.

لا أحد يعرف سر هذا التفاؤل المفاجئ، فالمغرب بلد يتفاءل فيه الناس ويتشاءمون بدون سبب ظاهر، لكننا تفاءلنا مع المتفائلين وقلنا إن الحكومة ستولد أخيرا لسبب لا نعرفه، بل هناك سبب نعرفه جميعا وهو أنه لا يمكن أن تبقى الأمور هكذا إلى ما لا نهاية.

هكذا، وفي لحظة صفو غير متوقعة، اعتقدنا أن المغرب، وهو لعلمكم أجمل بلد في العالم، سيصبح أجمل بلد في المجموعة الشمسية كلها بعد ولادة الحكومة، خصوصا وأن هذا الشعب المسكين نسي كل همومه وآلامه وأحزانه وانشغل عن بكرة أبيه بالحكومة، حتى صار ظهور هلال الحكومة أهم بكثير من ظهور هلال رمضان أو هلال العيد.
لكن هذا الفرح الذي اعترى الناس للحظات يبدو أنه لم يكن كامل الأوصاف لأن عبد الإله بنكيران سرعان ما أعاد الناس إلى رشدهم وذكّرهم بأنه من غير اللائق أن يسبقوا العرس بليلة، وقال، من بين أشياء أخرى قالها، إنه في حال عدم تشكيل الحكومة بعد عودة الملك من جولته الإفريقية فسيتم إعادة الانتخابات.

فهمنا، إذن، أن بنكيران سيقدم للملك ورقة عليها أسماء وأعضاء حكومته الجديدة في الشهر المقبل، وإذا لم يقبل الملك تلك الحكومة فإن الحل سيكون واحدا لا غير، إعادة الانتخابات، أي أن بنكيران لن يرضخ لمن يطالبونه، سرا وعلنا، بالاعتزال والعودة إلى منزله كما فعل سلفه عبد الرحمن اليوسفي، وأنه “سيبيع شبابه غاليا” لمن يريدونه أن يتقاعد سياسيا قبل الأوان.

يعرف بنكيران جيدا أنه في حال إعادة الانتخابات فإن حزب “العدالة والتنمية” سيقفز إلى الأمام بعشرات المقاعد البرلمانية الإضافية، وهذا شيء يعرفه خصومه أيضا، والورطة الأكبر هي أنه في حال ما أعيدت الانتخابات وتم الفشل في تشكيل الحكومة ثم أعيدت الانتخابات للمرة الثالثة فقد يحصل حزب بنكيران على الأغلبية المطلقة ويحكم لوحده لا شريك له، لذلك يجب على بنكيران أن ينسى تماما موضوع إعادة الانتخابات.

بنكيران الذي يعرف هذا الواقع جيدا لم يتوقف عند ذلك الحد، بل عاد بعدها واستعمل خطابا أكثر ثورية وقال إن حزبه سيقوم بمراجعات، وبما أنه لم يكشف عن طبيعة هذه المراجعات، فإن الجميع فهموا بأن بنكيران يُبلغ خصومه بأن لحمه مر، وأنه مستعد لاتخاذ مواقف لم يتخذها حتى في عز الحراك المغربي إبان مظاهرات 20 فبراير، وأن صبره وصبر حزبه له حدود.

نحن، طبعا، لن نصدق بنكيران فيما يهدد به لأنه لن يقوم بأي شيء من ذلك، فليس من طبيعة الحمامة أن تتحول إلى صقر بين ليلة وضحاها، لكن الرجل يريد أن يقول إنه لن يكون مجرد قنطرة متحركة تم العبور فوقها بسلام خلال “خلعة” الحراك المغربي، وأنه يجب أن يقبض الثمن كاملا، والثمن الكامل هو البقاء رئيسا لحكومة لخمس سنوات أخرى، وهذا أضعف الإيمان.

بنكيران يعرف جيدا أن ما يسمى “البلوكاج الحكومي” كان سيحدث مهما كانت الأوضاع مختلفة، لأن شباط الذي تم استعماله مثل المسمار في هذا البلوكاج، هو مجرد سبب عابر كان من الممكن خلقه حتى لو لم يكن موجودا، ومن منا لا يتذكر حكاية الذئب الذي شاهد خروفا يشرب أسفل الوادي فاتهمه بأنه يعكر عليه الماء، فأجابه الخروف بأن الماء من عند الذئب جار، فطال النقاش بين الطرفين إلى أن كشف الذئب عن نواياه وقال للخروف “المهم.. أنا بْغيت ناكْلك”.

بنكيران يعرف، إذن، أنهم “باغين ياكْلوه”، وأن الحديث عن مشاركة التجمع الوطني للأحرار أو الاتحاد الاشتراكي أو غير ذلك من الكلام الكثير ليست سوى مشاهد كوميدية تنطلي فقط على السذّج من الذين يكتفون بتأمل الجزء الظاهر من جبل الجليد، فالصورة واضحة للغاية، وهي شوكة أخنوش أو لشكر أو شباط هي مجرد أشواك صغيرة يتم استعمالها حسب الظروف، وحتى لو لم يكن أخنوش وشباط ولشكر موجودين فسيتم خلقهم من أجل لعبة يعرف بنكيران أصولها وقواعدها جيدا. وعندما كان بنكيران يسخر من المتظاهرين المغاربة إبان الحراك المغربي قبل خمس سنوات فإنه كان يتصرف وقتها كما يتصرف أخنوش أو لشكر هذه الأيام، أي أن بنكيران لا يجب أن يلوم إلا نفسه، فقد انخرط في لعبة يعرف جيدا أصولها.. وما يحدث له هذه الأيام تسبب هو فيه قبل خمس سنوات، أي أنه من الخيمة خرْج مايْل!

عبد الله الدامون/ جريدة “المساء”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى