الرئيسية / أشياء.. و أشياء / ماذا لو طبقنا القانون مع كل مشاريع العقار في المغرب؟

ماذا لو طبقنا القانون مع كل مشاريع العقار في المغرب؟



الناس كلهم يتحدثون هذه الأيام عن الفضيحة العقارية في الحسيمة التي تسمى فضيحة “باديس”، نسبة إلى اسم المشروع العقاري، والجميع يتصرفون وكأنهم يتفرجون على فيلم هتشكوكي وينتظرون الرؤوس التي ستسقط كما لو أن القضية مجرد فصل من فصول مسرحية “داعش”.

مشكلتنا في هذه البلاد أننا نبدو شعبا بلا ذاكرة، ونتصرف كأننا شعب بلا عقل، ونفكر كأننا شعب بلا منطق، لأن الناس يبدون الآن وكأنهم اكتشفوا فجأة أن المغرب فيه فضائح في مجال العقار، مع أن مجال العقار لا يعرف فضائح فحسب، بل هو في حد ذاته فضيحة.

ما جرى في الحسيمة هو أن مجموعة أشخاص وجهوا رسالة إلى الملك يشتكون فيها من خروقات كبيرة في بناء مشروع عقاري اسمه “باديس”، وفي تلك الشكاية يعدد فيها المشتكون أوجه التقصير والإخلال في البناء وتغيير في التصاميم وما إلى ذلك، وهؤلاء المشتكون هم في غالبيتهم من المهاجرين المغاربة في الخارج، ولو كانوا من المواطنين المغاربة في الداخل فأكيد أنهم كانوا سيعتبرون تلك الخروقات شيئا عاديا جدا، فهناك الملايين من “مغاربة الداخل” اشتروا منازل على الورق بتصميم معين، ثم سكنوا في منازل لا فرق بينها وبين منازل الإنسان البدائي.

الذين أوصلوا رسالة الاحتجاج إلى الملك كانوا محظوظين لأن الملك كان موجودا وقتها في الحسيمة، وهناك ملايين المغاربة الذين يريدون أن يوجهوا شكاوى إلى الملك لكنهم لا يستطيعون، فمغاربة الخارج صاروا أوفر حظا لإيصال شكاواهم إلى الملك، ولنتذكر ما حدث قبل سنوات قليلة حين تمت معاقبة العشرات من أفراد الدرك في شمال المغرب بسبب مضايقتهم للعمال المغاربة القادمين إلى بلادهم صيفا، مع أن ملايين المغاربة في الداخل يتعرضون لتلك المضايقات صيفا وشتاء وخريفا وربيعا، ومع ذلك لم يحدث شيء. نحن لا نحسد أبدا مغاربة الخارج الذين يفاجئهم فساد الداخل، بل نتمنى فقط لو ينوبون عنا في إيصال شكاوانا الكثيرة جدا إلى الملك.

الفضيحة العقارية التي ينشغل بها المغاربة حاليا تشبه تلك الشجرة التي تخفي الغابة، وحظنا السيء هو أننا ننشغل دائما بشجرة واحدة وننسى الغابة، لذلك بقينا حياتنا كلها في هذه الغابة التي يفترس فيها القوي الضعيف، وسنبقى على هذه الحالة حتى نفتح عيوننا جيدا على الغابة وما يجري فيها.

منذ أن ابتدأت طفرة العقار في المغرب حدثت فضائح لا تعد ولا تحصى، وكل فضيحة يمكنها أن تقتل رائحتها العفنة قطيع فيلة بكامله.

الفضيحة العقارية التي انفجرت الآن تبدو وكأنها لا شيء أمام مشاريع عقارية تستحق أن تدخل كتاب “غينيس” لأكثر الفضائح غرابة. ففي طول هذه البلاد وعرضها بُنيت مشاريع عقارية فوق أراضي سلالية وأراضي الأحباس والأملاك المخزنية التي تم الاستيلاء عليها بالاحتيال والتزوير، وذهب ضحية ذلك آلاف الفقراء واليتامى والأرامل، ومع ذلك سارت الأمور وكأن لا شيء يحدث على الإطلاق.

في عدد كبير من المشاريع العقارية توجد خروقات قاتلة، فلا توجد منافذ إغاثة المدنية ولا أبسط وسائل الإنقاذ في حال حدوث غريق أو زلزال. وهناك مشاريع عقارية بكاملها أقيمت فوق مجاري المياه أو وديان جافة، والمياه لا تنسى أبدا مجاريها، لذلك ستعود يوما لقتل المئات أو الآلاف من الأرواح، ورغم ذلك لا شيء حدث.

في مشاريع عقارية كثيرة جدا اشترى الناس شققا اعتقدوها محترمة فاكتشفوا أنه يجب عليهم إعادة بنائها من جديد. وبينما يكدس وحوش العقار أموال قارون في الأبناك الأجنبية والجنان الضريبية فإن البسطاء يقضون عمرهم في إصلاح وترميم شققهم الجديدة، ومع ذلك لا أحد اشتكى ولا أحد استجاب.

هناك مدن كاملة أقيمت فوق مناطق منجرفة أو على حافة الوديان الحارة، وهناك ملايين الشقق المصابة بإعاقات دائمة، فالمرحاض فيها، مثلا، إما أن يبقى بابه مفتوحا أبدا أو يظل مغلوقا أبدا، ومكان “البوطاغاز” في شقة ما توجد على حافة فراش النوم في الشقة المجاورة، والبناء مغشوش من أسفل الأساس حتى السطح.. ومع ذلك لم يحدث شيء.

هناك مشاريع عقارية كثيرة جدا لم يدخل في بنائها قرش حلال واحد، بل بُنيت كلها بمال الحشيش أو الأموال المسروقة من جيوب الشعب، ومع ذلك لم يشتك أحد. و هناك مشاريع سكنية بها عشرات الآلاف من الناس وليس بها مدرسة ولا مسجدا ولا حديقة ولا نصف شجرة.. ومع ذلك لا عين رأت ولا أذن سمعت.

لو أننا طبقنا القانون مع أبطال كل هذه الفضائح كما يحدث مع فضيحة “باديس” في الحسيمة، فيجب أن نهدم تسعين في المائة من مشاريع العقار في المغرب، أو نفتح أكبر سجن في العالم ونضع فيه فقط وحوش العقار، الذين نسميهم اعتباطا “المنعشون العقاريون”.

المغرب، من طنجة إلى الكويرة، كله “فضيحة باديس”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى