الرئيسية / ثقافة و فن / قصر السلطان حفيظ بطنجة… هل سكنه السلطان فعلا..؟

قصر السلطان حفيظ بطنجة… هل سكنه السلطان فعلا..؟



طنجة أنتر:

في سنة 1908 بدأت أشغال بناء قصر مولاي حفيظ بمدينة طنجة. وفي هذه السنة، وبالضبط في 21 من غشت، تم عزل السلطان المولى عبد العزيز، وخلفه آنذاك السلطان عبد الحفيظ رضوخا لمطالب بعض أنصاره. وأمام اضطرار السلطان الإقرار بديون أخيه المولى عبد العزيز وتجميد مداخيل الجمارك غير المرهونة والمحولة لبنك الدولة، رضخ للتفاوض مع الممثليات الأوروبية على قبوله لقرارات مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1909.

ويحكي محمد العربي حجاج، أحد قدماء المقاومين بطنجة، أن المولى عبد الحفيظ مر على تجار أغنياء بمدينة طنجة في تلك الفترة، وترجاهم بأن يمنحوه المال كي يسدد ديونه، وضربوا له موعدا في حدود 15 يوما، لكنه فوجىء بعد ذلك بأنهم جميعا احتموا بدول أجنبية كفرنسا وإسبانيا وألمانيا، ولازالت لحد الآن في طنجة بعض العائلات الفاسية التي أتت إلى مدينة طنجة وكانت لها حماية فرنسية.

سنة 1911 استغلت فرنسا وجود قواتها العسكرية بمدينة فاس لدفع المولى عبد الحفيظ في اتجاه قبول فكرة الحماية بعدما أصبح محاطا بعدد كبير من القبائل الثائرة. ونتيجة للتدخل الفرنسي بفاس، أجبر السلطان عبد الحفيظ على توقيع معاهدة الحماية في سنة 1912، وبعد خمسة أشهر، سيضطر عبد الحفيظ في 12 غشت إلى التنازل عن العرش لصالح أخيه المولى يوسف.

هناك فقر في المعلومات حول قصر مولاي عبد الحفيظ وتضارب في الروايات، كما أكد ذلك مدير قسم التوثيق والأرشيف بالمكتبة الوطنية بالرباط، حين قال في تصريح “للمساء”، إن الأرشيف المهم يوجد بفرنسا. وبخصوص أرشيف هذا القصر لم يجد أي كتاب أو صحيفة أو وثيقة تشير إلى هذا الموضوع.

وكما يروج لدى بعض المؤرخين بمدينة طنجة، فإن السلطان مولاي عبد الحفيظ لم تتعد فترة سكنه بهذا القصر ثلاثة أشهر. ويؤكد المؤرخ الطنجاوي محمد بولعيش، صاحب كتاب “طنجة عبر التاريخ”، أن السلطان مولاي عبد الحفيظ أراد أن يتقرب من جده العلامة الفقيه مصباح، وأغراه بإعطائه سكنا داخل هذا القصر لكي يكون ضمن حاشيته، لكنه رفض.

أما الرواية الإيطالية فتقول بكون السلطان مولاي حفيظ لم يسكن قط هذا القصر، لأن بناءه اكتمل سنة 1912، وكان مولاي عبد الحفيظ وقع على قرض ب 90 مليون فرنك بباريس رهن به مداخيل الأملاك المخزنية المحيطة بالمراسي وما تبقى من مداخيلها مع احتكار التبغ والكيف، وبما أنه لم يستطع دفع مصاريف القصر، فقد تم بيعه في المزاد العلني بطلب من البنك، والذي اشترته منه مؤسسة “كومباني دو نافيغاسيون باكيت” بسعر مجهول، وهذه الوكالة هي التي باعته إلى السيناتور الإيطالي تشياباريلي سنة 1926.

كان القصر في تلك الحقبة خارج أسوار المدينة، أما اليوم فهو يوجد وسط المدينة بالقرب من شارع الحسن الثاني، ومساحته الإجمالية 3 هكتارات و300 متر مربع، والمهندس الذي وضع تصميم القصر فرنسي الأصل، لذا رأى أن يكون هذا القصر ممزوجا بثقافة أوروبية وعربية إسلامية، ومغربية أندلسية موريسكية.

يتكون القصر من طابقين، وبيوت عديدة وكبيرة، إضافة إلى حديقة كبيرة وسط القصر، ويوجد وسط الحديقة نافورة متوسطة الحجم، ولا يخلو القصر من الرخام الإيطالي الرفيع المسمى “كارارا”، نسبة إلى مدينة إيطالية التي تصنع هذا المرمول، وتجده أيضا في بعض الحيطان والدرج والأرض والنافورة، ولا يخلو القصر من الزليج المغربي الأندلسي.

ويعتبر السيناتور الإيطالي تشياباريلي، الذي كان يرأس جمعية خيرية تدعى “أزمي”، التي تقدم مساعدات إنسانية وطبية للفقراء، هو من قام ببناء المستوصف بجانب القصر الذي أصبح مستشتفى إيطاليا سنة 1929.

وكان كابا، أول طبيب إيطالي وفد إلى مدينة طنجة لمعالجة المرضى قبل بناء المستشفى، والذي بدأ عمله رسميا في هذا المستشفى في يونيو من سنة 1929، وكان هذا المستشفى يدخله الأغنياء والفقراء معا، لأنه كان تابعا للجمعية المذكورة التي تشرف على عدد من المستشفيات في البلدان العربية، كانت أولاها بالإسكندرية في مصر، وفي دمشق بسوريا، وفي عمان بالأردن، وبطنجة في المغرب، وفي حيفا بفلسطين، وفي لبنان وألبانيا.

باولا، راهبة وممرضة إيطالية وهبت حياتها لخدمة الناس متنقلة بين ألبانيا التي عاشت بها فترة طويلة، وحيفا التي قضت بها أكثر من 18 سنة، وهي الآن تقيم بمدينة طنجة أكثر من عشرين سنة، وجهها المتعب يحيل على أنها في السبعينيات من العمر، عاشت جل حياتها خارج منطقتها بريزيلمو الإيطالية، وتؤدي طقوسها الدينية الكاثوليكية بانتظام. في سنة 1988 جاءت باولا إلى المستشفى الإيطالي عندما كان المئات من الإيطاليين يعيشون بالمدينة، لكنهم الآن يعدون على رؤوس الأصابع.

وتتذكر باولا كيف كان المستشفى في وقت قريب ملجأ لأفراد لطبقة الغنية عندما كانت المدينة تفتقر إلى مصحات كما هي عليها الآن، لكن أصبح المستشفى حاليا يستقبل الفقراء والطبقة المتوسطة.
توجد بالمستشفى 8 غرف للمرضى الفرادى، وقاعتين كبيرتين تضمان مجموعة من الأسرّة للمرضى.
إلى جانب باولا، توجد الممرضة كليمينتي، التي قضت بمدينة طنجة أكثر من 32 سنة، أما آخر مدير إيطالي بهذا المستشفى فكان يسمى أندريوني، الذي تخلى عن عمله سنة 1980، وفي هذه السنة بدأ يلجه الأطباء المغاربة.

وفي سنة 1931 ستؤسس المدرسة الإيطالية في طنجة بجانب القصر، كبعثة أجنبية تعليمية تعطي دروسا من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية، وقد درست بهذه المدرسة الأميرة الراحلة فاطمة الزهراء العزيزية، نجلة السلطان مولاي عبد العزيز، وبعض النسوة الطنجاويات اللائي كن محافظات ومتفتحات في الوقت نفسه، كالسيدة فريدة التركي التي كانت تتقن عدة لغات، ودرست مع الأميرة في المدرسة التي ستقفل أبوابها في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وبالضبط في سنة 1987 لقلة الوافدين على الدراسة في هذه البعثة الإيطالية، حسب بعض مسؤولين إيطاليين.

بجانب القصر بنيت الكنيسة الإيطالية بقرار من حاضرة الفاتيكان في روما، والتي فتحت أبوابها سنة 1950 في وجه الكاثوليك الإيطاليين الذين كانوا يقطنون بالمدينة، وأشهر الرهبان الذين مروا بها، الأبوان باسيني وبوفاتي، هذا الأخير الذي رحل عن الحياة سنة 1993. ومع موت العديد من الإيطاليين بطنجة، ستقفل الكنيسة أبوابها سنة 1995.

غير بعيد عن الكنيسة توجد منازل تقطنها حاليا بعض الراهبات الإسبانيات، بينما أصبحت العمارات والإقامات السكنية تحيط بهذا القصر الذي كان في يوم ما معزولا عن باقي المدينة، فأصبح معزولا في قلب المدينة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى