الرئيسية / نوافذ / في ذكرى ميلاده هذا الشهر: ابن بطوطة.. مرآة طنجة في العالم

في ذكرى ميلاده هذا الشهر: ابن بطوطة.. مرآة طنجة في العالم



المغرب اكتشف العالم الخارجي في وقت مبكر جدا، ومنه خرج رحالون مشاهير جابوا الآفاق واكتشفوا الأصقاع، وفيه نبغ جغرافيون نوابغ في وقت كان العالم لا يزال متقوقعا على ذاته، لكن المغرب ضيع مرة أخرى هذه الفرصة التاريخية التي، لو أنه استغلها كما يجب، لما كان المغرب كما هو الآن.

يعرف العالم كله الرحالة الفذ ابن بطوطة، الذي خرج من طنجة وهو فتى في الحادية والعشرين من عمره ليؤدي فريضة الحج فانطبقت عليه مقولة “خرج ولم يعد”.

جاب ابن بطوطة البلدان والأصقاع، ووصل أمكنة لم يصل إليها أحد قبله، لا من العرب ولا من العجم، وشكلت رحلاته كنزا استراتيجيا ثمينا، لكنها انتهت مجرد حكايات بين دفتي كتاب، وكأن الرجل مجرد شخصية من شخصيات الرسوم المتحركة.

ابن بطوطة طاف كل العالم المعروف آنذاك، فهو ولد ومات قبل اكتشاف أمريكا رسميا (رغم أنها كانت مكتشفة بالفعل قبل زمن طويل)، وجاب ابن بطوطة ثلاث قارات، أوربا وإفريقيا وآسيا، وهي العالم المعروف آنذاك، وفي كل رحلاته كان الرجل يغوص في أعماق المجتمعات، بل إنه تقلد مناصب هامة في عدد من البلدان، من بينها منصب القضاء أو الاستشارية، واطلع على معلومات ومعطيات كثيرة، بل أسرارا كثيرة ودقيقة.

كانت نقطة قوة ابن بطوطة في كونه ينزل في كل أرض ولا يتصور أنه مُفارقها، لذلك يسارع إلى الزواج والإنجاب، وفي عدد من البلدان تزوج ابن بطوطة بناتا من العائلات الحاكمة، وصار فاعلا رئيسيا في السياسة، وفي أحيان كثيرة تولى منصب القضاء وصار يتحدى حتى الحاكمين بقراراته العادلة، مما جر عليه سخط السلطة في أكثر من مناسبة.

في كل مرة كانت الرياح تذرو ابن بطوطة نحو أرض أو قارة مختلفة. لقد وصل إلى أراضي وبلدان لم يكن سلاطين المغرب أنفسهم يدرون بوجودها، وعندما وصل إلى الصين صنع لنفسه هالة لا تزال مستمرة إلى اليوم، إلى درجة أن المسؤولين الصينيين الذين يأتون اليوم إلى المغرب يسارعون إلى السؤال عن قبر ابن بطوطة لزيارته، لكنهم يُصدمون عندما يعلمون أن الرجل مدفون في قبر مهمل بزقاق ضيق بالمدينة القديمة لطنجة، والأنكى من ذلك أن قبره موضع جدل.

عاش ابن بطوطة قرابة 76 عاما، وإذا حذفنا منها العشرين عاما الأولى التي قضاها بطنجة، وأعوامه القليلة التي قضاها في المغرب بعد اعتزاله الترحال، فإن الرجل يكون قد أمضى أزيد من أربعين عاما وهو يجوب الآفاق، وعاد من رحلاته بكنوز ثمينة من المعلومات والأسرار، لكن ماذا فعل المغرب بكل تلك المعلومات؟ لا شيء.. لقد استدعاه السلطان لكي يحكي له ما رآه في كتاب يتيم سماه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأمصار”، وكان على ابن بطوطة أن يجمع في هذا الكتاب ما رآه في قرابة خمسين بلدا زاره، وكان عليه أن يحكي في هذا الكتاب الوحيد تفاصيل ما رآه عبر مساحة 120 ألف كيلومتر عبرها في حله وترحاله، وكان عليه أن يحكي للسلطان.. فقط للسلطان، ما عاشه وخبره طوال أربعة عقود من الترحال، وفي النهاية كتب ابن بطوطة الكتاب وقرأه السلطان، وربما لم يقرأه، وكأن السلطان طفل تنقصه التسلية فقرر أن يقرأ كتاب ابن بطوطة كما لو أن الأمر يتعلق بفيلم للرسوم المتحركة.

في تفاصيل رحلة ابن بطوطة الكثير من المعلومات الثمينة والأسرار العجيبة التي كان يمكن للمغاربة أن يستغلوها من أجل أهداف استراتيجية، أهداف اقتصادية وسياسية ودبلوماسية كبيرة. كان بالإمكان للحاكمين وقتها أن يجمعوا لجنة علمية وسياسية واقتصادية، وعلى قدر كبير من المعرفة والدراية، لكي يضعوا معلومات ابن بطوطة في ميزان المصالح الاقتصادية والسياسية للمغرب، فيصلوا بتجارتهم إلى البلدان التي تحتاجهم، أو يأتوا منها بما يحتاجون بأرخص الأثمان، وأن يربطوا صلات سياسية ودبلوماسية وعلمية مع حلفاء في مختلف الأصقاع، خصوصا وأن ابن بطوطة زار بلدانا تغرق في الثروات، أو بلدانا في حاجة لحلفاء استراتيجيين، وأخرى تفوق المغرب علما وتنظيما وحكمة.. وأشياء كثيرة أخرى.

الرحالة الأوربيون، أمثال مارْكو بولو وغيرهم، وضعوا معلوماتهم وخبراتهم في خدمة أوطانهم، في وقت كانت فيه المعلومة أندر من بيضة الديك، وابن بطوطة وفر للمغرب معلومات مذهلة، لكن المغرب، الذي ضيع فرصا تاريخية كبيرة وكثيرة، قبل ابن بطوطة وبعده، ظل مخلصا لنزعته “المازوشية” في التنكيل بالذات، إلى درجة أنه لم يعرف كيف يستغل رحالة مغربيا آخر اسمه الإدريسي، مؤسس علم الجغرافيا وأول من رسم خريطة العالم.

الإدريسي، ابن سبتة، حدث له نفس ما حدث لجاره ابن طنجة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى