الرئيسية / مجتمع / عيد الخوف..!

عيد الخوف..!



طنجة أنتر:

عيد إستثنائي بكل المقاييس في ظرفية استثنائية، مما جعل عموم المغاربة يمرون بحيرة كبيرة بخصوص الاختيار الصائب، فهل هو الحرص على إحياء سنة نحر الأضحية أم الاستغناء عنها بسبب الظروف المثقلة بالهموم والتحديات المرتبطة بتداعيات جائحة كورونا؟.

المجتمع المغربي انقسم إلى قسمين. قسم يغلب عليه الحماس لإحياء سنة الذبيحة، وليس العيد لأن العيد سيظل قائما ولن تمس قدسيته، في مقابل قسم آخر ينتابه الخوف من اقتناء الخروف ونحره يوم العيد، ولكل طرف مبرره وتفسيره الراجح، حيث يغلب كل شخص جانب المصلحة التي يراها أهلا لذلك.

هناك رغبة تقابلها رهبة، خصوصا في ظل المنحى التصاعدي الذي عرفه الوباء. والمشكل له علاقة بموقف الجهات الرسمية التي تفتقر إلى روية وضاحة حول كيفية مواجهة هذه التطورات، مما جعلها تسقط في تناقضات كبيرة .. فهي من جهة تصر على تسويق منتوج رؤوس الماشية المخصصة لعيد الأضحى بهدف إنقاذ الاقتصاد ومد يد العون إلى ساكنة العالم القروي وإلى فئات الفلاحين .. لكنها من جهة أخرى تعلن عن مواقف تدل على خوفها ورهبها من تداعيات مناسبة العيد التي تضرب مبدأ التباعد الاجتماعي، كما تدفع بالمواطنين إلى التنقل والسفر والاحتكاك بالغير .. هذا فضلا عما يتطلبه الأمر من احتياطات لازمة ومشددة في التعاطي مع مستلزمات كبش العيد في مختلف المراحل، بدءا من نقطة البيع ثم التنقل، ثم يوم النحر ، حيث تطرح أكثر من علامة استفهام،فمن سيتولى رعايته وذبحه وتقطيعه، وهل سيتزاور الأهل يوم العيد لتكتمل الفرحة، وما هي الانعكاسات الصحية لنفايات الأضحية؟، وهل يمكن الاحتراز من التلوث الذي يحدثه المواطنون يوم العيد ؟…


المواطن بدوره يقف في مفترق الطرق، فهل هذه أم تلك؟. لكنه بعد الإعلان عن فتح أسواق العيد وبداية الترويج للبضاعة. بدأت بعض الشرائح الاجتماعية تفكر في اقتناء الأضحية، دون الفكاك من تلك الأسئلة المحيرة حول مدى توفر شرط السلامة الصحية، وعدم وجود ما يمكن أن ينغص فرحة العيد؟ حيث تساورها رغبة جامحة في مقابل وجود رهبة من المجهول، وذلك في الوقت الذي يقف الطرف الثاني “مضروب الرأس” لا يلوي على شيء بسبب صعوبة اقتناء الأضحية نتيجة الأزمة الخانقة التي تطوق عنق الملايين من الأسر المتضررة، والتي يستحيل عليها في مثل هذه الظروف التفكير في خروف العيد..

إذا فمصدر خوف هؤلاء هو قلة اليد والعوز والفاقة وعدم القدرة على الوصول إلى السوق . وهو الشيء الذي لا يفكر فيه المسؤولون المتحمسون لإحياء سنة الذبيحة إرضاء لجهات نافذة .. وبين تلك الفئتين توجد شريحة ثالثة ممن يمتلكون قناعة راسخة بإمكانية الاستغناء عن ذبح الخروف هذه السنة بسبب عدد من الاعتبارات، وفي مقدمتها الإشكالات المتعلقة بالجانب الصحي، ثم روح التضامن مع الفئات المتضرر لأنه لا يعقل أن يضحي الشخص وحده أمام أعين جيران له أصبحوا غير قادرين على اقتناء الأضحية؟ وتكتفي هذه الطبقة التي تنامت في السنوات الأخيرة باقتناء اللحم الجاهز من محلات الجزارة من أجل أن تتخلص من عبء الاستغلال والجشع الذي يميز سلوك المتاجرين بشعائر هذه المناسبة.


أما المفارقة الكبرى فهي الانقسام المسجل على مستوى موقف الأطراف الحكومية، ففي الوقت الذي تقود وزارة الفلاحة تيار “عيادة” مهما كانت العواقب تحت ذريعة حماية القطيع، يستشف وجود نوع من التردد لدى الأطراف الأخرى، ويتجلى ذلك في تصريحات مسؤولي وزارة الصحة الذين يتوقعون ارتفاع حالات الإصابة خلال عيد الأضحى وبعده، ثم احتمال العودة لتطبيق الحَجر الصحي بسبب في حالة تزايد عدد الوفيات والإصابات الحادة واتساع دائرة انتشار الوباء.

نفس التردد تعكسه القرارات المتضاربة الصادرة بهذه المناسبة عن وزارة الداخلية، فهي تارة تمنع وتارة ترخص بالسفر والتنقل بين الأقاليم، مساهمة بذلك في خلق نقط الازدحام والاحتكاك الشديد بين المواطنين داخل المحطات وفي وسائل النقل المختلفة، وهو ما يعني أننا جميعا أصبحنا في “الهوى سوا ” نقوم بالشيء وضده في آن واحد، بل أصبح الكل على شاكلة ذلك الذي يفقأ عينه بنفسه.. فرغم كل هذه الهواجس الناتجة عن استقراء الواقع العنيد ورصد التطورات التي لا تبشر بخير ، لم يمتلك المسؤولون الجرأة الكافية لتعليق ذبح الأضحية بصفة استثنائية من أجل رفع الحرج عن المغاربة..

فإذا كانت هذه هي التوقعات، فإلى أين نحن ذاهبون ؟ ولماذا يتم الإصرار على تجاهل الواقع المحمل بالمفاجآت ؟ لكنه إلى حد الساعة لم يعد أحد يدرك سر التناقض في تدبير المسؤولين لهذه المرحة، هل يتعلق الأمر بمحدودية درجة الفهم والنقص في الخبرة والمعرفة وغياب الإرادة، أم أنه يعود لعوامل أخرى خفية لم تتكشف ملامحها بعد ..؟
وما دام الناس يرون أن العيد يكتسي طابعا قدريا لا اختيار فيه للإنسان، رغم الإكراهات التي تنهد أمامها الجبال، فلننتظر مع المنتظرين ونرجو الله السلامة والأمان لأبناء الوطن الذين لا يريدون من هذه الشعيرة إلا التقرب إلى الله، وليس فقط ابتغاء لإحياء طقوس”الزرود” والولائم وملء البطون وإشباع الشهوات.
ومهما يكن من أمر فيما يرتقب من الأيام، فإنه لا يمكن التكهن بملامح صورة يوم العيد في هذه السنة، ولكن أضعف الإيمان، أن يتحلى الجميع باليقظة وأن يتحمل كل واحد منا المسؤولية تجاه نفسه ونحو الآخرين في كل الأحوال.

فلماذا لا نجعل من هذا العيد مناسبة للتضامن والتعاطف بين كل أفراد المجتمع، تكون جدوته وقوة دفعه هي الطبقات الموسرة، وكذلك الأشخاص الذين اعتادوا أداء شعيرتي الحج والعمرة كل سنة بسخاء..وكذلك أصحاب الأملاك الذين وسع الله عليهم وأغناهم فلم يتضررو ا من الجائحة.

لماذا لا نقدم درسا تاريخيا للجهات المسؤولة التي عبرت عن جمودها وعقم سياستها، وذلك بإسقاط الدين عن المدينين، وإعفاء المكترين مما تراكم عليهم من ديون الكراء خاصة. وما أكثر أعمال البر التي يمكن تحريكها بهذه المناسبة من أجل التخفيف من الآلام وإغاثة المكلومين. والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ..
عن “المكتب المركزي لربطة الدفاع عن حقوق المستهلكين”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى