آخر الأخبار
الرئيسية / نوستالجيا / شخصية / عمّي ادريس.. صديق أنيس

عمّي ادريس.. صديق أنيس


عمي ادريس ليس طنجاوي المولد، لكنه طنجاوي الهوى والمسكن والمزاج. إنه وجه من وجوه الزمن الجميل في التلفزيون المغربي.
هل تصدقون أن هذا التلفزيون، المشوه حاليا، كان له زمن جميل لم نستشعر جماله إلا بعد أن ولى، عنوانه البساطة والصدق، رغم رائحة الرصاص التي كانت تفوح منه، وصدى التعليمات الفوقية، التي لم تنته بعد.
“عمي إدريس” الذي كان من صناع الجمال في “صندوق العجب” المغربي، غزا الشيب اللحية التي تكسو وجهه النحيل، ولم تستطع تجاعيد الزمن الغادر والناكر للجميل، مثل أهل التلفزيون، أن تخفي ذلك البريق الطفولي الذي يشع من عينيه، وتلك الابتسامة الساخرة البريئة التي ترتسم على وجهه، والتي تعينه على تحدي صروف الدهر.
كثيرون من أبناء الجيل الحالي لا يتذكرون شيئا عن الرجل، لكن الأجيال التي رأت النور في السبعينات والثمانينات، لم يختف بعد من آذانهم طنين عبارة “عمي إدريس صديق أنيس” السحرية التي كانت تفتتح بها أشهر برنامج موجه إلى الأطفال، لم يكن يرصد له التلفزيون المغربي، كما هو الشأن حاليا، ميزانيات مهمة من أجل تقديم التفاهات، وإنما كان يقوم على تضحيات رجل يدعى إدريس كريمي، ويا لمرارة التعبير عندما تسبق عبارة “يدعى” اسم الرجل، ما يوحي أنه أضحى نسيا منسيا.
إدريس كريمي، عنوان مرحلة جيل فني اختار التضحية بالغالي والنفيس من أجل أداء رسالته الفنية، ويترجم فعلا على أرض الواقع تلك العبارة الساذجة التي كانوا يلقوننا إياها في الطفولة، والتي تقول إن الفنان شمعة تحترق لتضيء الآخرين.
لكن “عمي إدريس” لم يحترق، لا على طريقة الفنانين ولا البوعزيزي، وإنما خرج بعد سنوات طويلة من الشهرة والمجد بالتلفزيون المغربي، مثقلا بالديون والهموم النفسية وفوق كل هذا حب الجميع، باستثناء من كانوا وراء إجهاض مشروعه التلفزيوني، لكن الشهرة ومحبة الجماهير في المغرب لا تنفع المبدع في شيء، ولا تؤدي له مصاريف حياته اليومية أو تخرجه من حالة الإحباط النفسي الذي يتولد عن الجحود والنكران.
“عمي إدريس” هذا المبدع، البيضاوي النشأة، تفتح وعيه الفني في الطفولة نهاية الخمسينات، على عشق البرامج الإذاعية في الوقت الذي كان الراديو هو الوسيلة الإعلامية الوحيدة المتاح لدى المغاربة.
كان “الطفل إدريس”، المزداد سنة 1945، شغوفا ببرنامج إذاعي موجه إلى الأطفال بعنوان “بستان الأطفال” كان يعده ويقدمه الإعلامي إدريس العلام (با حمدون)، احتال “عمي إدريس” للوصول إليه والمشاركة فيه وهو طفل، الشيء الذي تمكن من تحقيقه، وجعله يحلم بأن يكون له هو أيضا برنامج مثله.
وبعد سنوات المراهقة التي قضاها متأرجحا بين أحياء روش نوار ودرب الكبير ودرب ميلا وفضاءاتها الثقافية التي تشبع منها بحب المسرح والتمثيل، أتيحت ل”عمي إدريس” فرصة الدخول إلى التلفزيون المغربي، بعد طول معاناة ومكابدة، من خلال عملين فنيين عبارة عن مسرحية بعنوان “مشاكل بابا” وأوبريت غنائية تحمل اسم “قاضي الأطفال” تعامل فيهما مع الملحن أحمد العمري سنة 1974، وأتبعها بعد ذلك بسلسلة للأطفال بعنوان “علاش بابا تقلق”، عرف نجاحا كبيرا حينها، قبل أن يتعرض لضربة موجعة خلال مطلع الثمانينات حين قدم له التلفزيون مسلسلا تدخل أحد الأشخاص، وتصرف فيه بشكل جعله يخرج إلى الجمهور مشوها، مما عرض “عمي إدريس” لانتقادات لاذعة من طرف الصحافة، لكنه عاد بعدها بسلسلة “عمي إدريس” التي جبّت ما قبلها، ووضعته في المكانة الرفيعة التي احتلها في قلوب المغاربة.
عن “الصباح”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى