الرئيسية / مجتمع / “عدْوى الجمال” التي انتقلت من طنجة إلى باقي المدن..

“عدْوى الجمال” التي انتقلت من طنجة إلى باقي المدن..



طنجة أنتر:

كان يوما حزينا في حي المسيرة الشعبي بضواحي الرباط، فقد سلم أحد السكان الروح لبارئها تاركا أهله غارقين في الحزن والدموع.

توقف الرجال والنساء والشباب في الحي عما يشغلهم وتقاطروا على بيت العزاء، فالحزن في ذلك اليوم حزن الجميع وأداء الواجب أولوية.

في هذا الحي الشعبي -الذي يسكنه ذوو الدخل المحدود من عمال وجنود وموظفين- لا تزال قيم الزمن الجميل من تعاون وتآزر حية، ولا يزال سكانه يقاومون مظاهر الفردانية والانعزالية الطارئة على مجتمعهم.

فتحت الخالة فاطمة مرآب بيتها القريب من بيت العزاء وحولته ونساء “الحومة” (الحي) إلى مطبخ لإعداد الطعام، وشرعن بالعمل داخله كخلية نحل حيث كل منهن تؤدي مهمتها بتفان.

على الجانب الآخر انشغل الرجال والشباب بنصب خيمة ضخمة لاستقبال المعزين، وهي خيمة تقليدية ساهم بشرائها السكان لأجل هذه المناسبات.

“ينشغل أهل الميت بحزنهم، لذلك نقوم نحن بدورنا للتخفيف عنهم وإعداد ما يلزم للجنازة” تقول أمي خدوج وهي منهمكة في عملها.

تتطوع نساء “الحومة” كل واحدة حسب إمكانيات أسرتها المادية وبمبلغ مالي يشترون به ما يحتاجون من خضر وتوابل ولحوم لإعداد وجبة الكسكسي وهو الطعام الذي يطبخ في الجنائز ويأكله الجميع صدقة عن روح الميت.

وفي الليل، يجتمع الكل داخل بيت العزاء وفي الخيمة للاستماع لآيات القرآن يتلوها قراء يطلق عليهم “الطلبة” ويستمر دور الجيران حتى اليوم الثالث حيث تزور العائلة المقبرة للترحم على ميتها، وتستقبلهم نساء الحي بحساء الحريرة وأقراص الخبز والقهوة والعسل.

معا بالأفراح والأحزان
ينحدر السكان من خلفيات قبلية مختلفة، جبالة وأمازيغ وشاوية ودكالة وصحراوة، سكنوا هذا الحي الشعبي منذ عقود وأسسوا خلالها علاقات عميقة مبنية على روح التضامن والمحبة حتى غدت في بعض الحالات قرابة الجوار أقوى وأمتن من قرابة الدم.

تقول “أمي خدوج” -التي تقيم في هذا الحي منذ ما يزيد على الثلاثة عقود- إنهم مثل عائلة كبيرة، فلا معنى للعيش في هذا المكان إذا كان كل واحد من سكانه منشغلا بهمومه وحياته الخاصة ولا يعير اهتماما لمن حوله.

“كما نلتئم في الأحزان ونتضامن فيما بيننا، نكون كذلك في الأفراح” تتوقف أمي خدوج لحظات عن العمل لتحكي للجزيرة نت متانة ما يجمعها مع أسر الحي من وشائج، وتذكر كيف تتحول الأزقة أيام العيد والمناسبات إلى مهرجان كبير تظل فيه أبواب البيوت مفتوحة لاستقبال الكبار والصغار.

وتضيف والابتسامة ترتسم على شفتيها “نساهم كجيران بجهدنا ومالنا وبقلوبنا لمساندة بعضنا البعض، كل ذلك في سبيل الله وهو جزء مما نسميه “الصواب” أي (الواجب).

عملية إنقاذ
ويحاول شباب بعض الأحياء الشعبية إنقاذ قيم الزمن الجميل والحفاظ على العلاقات الإنسانية الإيجابية بعدما باتت في تراجع مستمر بسبب التغيرات التي يشهدها المجتمع المغربي في عصر الصلات العابرة والقيم المتغيرة.

شباب في مدن طنجة الرباط والدار البيضاء وغيرها أطلقوا مبادرات جماعية تهدف إلى تزيين أحيائهم وتنظيم أنشطة جماعية للسكان، ومن هؤلاء شباب حي التشارك بمدينة طنجة عروس الشمال المغربي.

صنع شباب وسكان هذا الحي الشعبي الحدث عندما حولوا شوارعه إلى لوحة فنية مبهجة، وقرروا تنظيم إفطار رمضان والاحتفال بالأعياد بشكل جماعي، حيث يعد كل بيت وجبات تقليدية ويتناولونها جماعة وسط الحي في جو عائلي دافئ.

وانتقلت مبادرة التزيين إلى أحياء مجاورة، فالتقطها مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية ليعلن مسابقة أحسن حي، مما ألهب حماس واجتهاد الكبار والصغار في معظم أحياء طنجة الشعبية التي تحولت إلى ورشة فنية مفتوحة.

يقول عبادة الأعرج -وهو واحد من الذين أطلقوا المبادرة رفقة شقيقه عبد العزيز- إن معظم سكان حي الإنعاش والأحياء المجاورة يسكنون في جوار بعضهم البعض منذ 25 سنة، مما ساعد على نجاح تلك المبادرات، فعلاقاتهم باتت محصنة ضد فيروسات العصر الحديث حتى أن معدلات الجريمة والانحراف فيه قليلة.

ويضيف أن تأسيس جمعيات الحي مكن السكان من تنظيم أنفسهم وحماية حيهم وإطلاق مبادرات مستوحاة من روح الأحياء الشعبية القائمة على التضامن والروابط الحقيقية، حيث يواجه الجميع الحياة معا وليس فرادى.

قيم متوارثة
يوضح أستاذ علم الاجتماع علي الشعباني “لا تزال الفئات الشعبية تختزن الكثير من الموروثات الثقافية والعادات والتقاليد التي ورثوها عن أجدادهم، وكانوا يمارسونها في قراهم ومدنهم الصغيرة قبل الهجرة إلى المدن الكبرى”.

وتحتفظ هذه الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة بقيم التضامن والتكافل الاجتماعي التي تظهر بشكل كبير في بعض المواقف مثل الوفاة والأفراح والمرض، هذه الروح “تنفي” ما تروجه بعض الكتابات من نزوع المجتمع المغربي نحو الفردانية والانعزال.

وباستثناء سكان الأحياء الراقية المتأثرين بالحضارة الغربية حيث الجار لا يعرف حال الجار، يرى الباحث أن قيم الأحياء الشعبية لا زالت تقاوم طغيان حالة الفردية وقيم الحداثة الغربية الزاحفة نحو المدن الكبرى.

سحر خاص
ويضيف الشعباني أن المغربي متدين لذلك فهو ينظر إلى علاقاته بمحيطه من منظور تقليدي وديني يحضر فيه جانب الأجر والثواب، ويستحضر هذه المعاني عندما يتعاون مع الآخرين ويتضامن معهم ويسأل عن أحوالهم.

ورغم المناكفات والمشاجرات التي تعرفها الأحياء الشعبية، فإنها لا تزال تحافظ على سحرها الخاص النابع من بساطة سكانها وطبيعة العلاقات الإنسانية المشحونة بالتلقائية والعفوية.

وتفسر الأوضاع الاجتماعية والمادية لسكانها تلك الروح التضامنية -وفق الشعباني- فهم ينجحون في التغلب على شقاء الحياة ومصاعبها بفضل دعم بعضهم البعض ماديا ومعنويا وبفضل الصلات التي تربطهم.
عن “الجزيرة.نت”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى