الرئيسية / ثقافة و فن / طنجة: جذور غارقة في القدم.. وأغصان مشرئبة نحو العلا..

طنجة: جذور غارقة في القدم.. وأغصان مشرئبة نحو العلا..



طنجة أنتر:

تتميز المدينة القديمة في طنجة بطابعها المتميز الذي يؤرخ مرحلة مهمة من تاريخ المدينة عندما كانت خاضعة للانتداب الدولي لمدة تزيد على نصف قرن. فطنجة مدينة لا يمكن أبدا الحديث عن حاضرها من دون الحديث عن ماضيها المثير، ماض يجمع ما بين الغرق في عمق ما قبل التاريخ مع أساطير هرقل وأطلس، وما بين تاريخها العربي الإسلامي الزاهر، وإحدى أهم مراحله الوردية عبور جيوش المسلمين نحو الأراضي الأيبيرية، ونشر الإسلام الذي استمر هناك في دولة الأندلس مدة ثمانية قرون.

ثم جاءت المرحلة الدولية التي خضعت فيه طنجة لوصاية متعددة الأجناس. الوصول إلى المدينة العتيقة يتم عبر عدة طرق، أهمها شارع الحرية، حيث يوجد فندق «المنزه» الشهير، الذي بناه اللورد بيت في عقد الثلاثينات من القرن الماضي، وهو اليوم الفندق الذي يستقبل مشاهير السياسة والفن والثقافة، وضيوفا وسياحا متميزين من المغرب وخارجه.

في شارع الحرية تتجاور الذكريات مع المعالم السياحية. هناك القنصلية الفرنسية التي لا مفر لأي زائر للمدينة من زيارتها. إنها تحفة معمارية لا يمكن العثور على نماذج كثيرة منها في العالم. وحول قصر القنصلية حديقة هي أشبه بالغابة العذراء مع أشجار نادرة وموغلة في الزمن. في هذه القنصلية جرت الكثير من أحداث التاريخ.

قبالة قصر القنصلية توجد تلك المقهى الأسطورة، وهي مقهى «باريس»، التي عاشت من الحكايات مع الفنانين والمشاهير أكثر مما عاشتها أية مقهى أخرى في المغرب كله.

مقهى باريس ظهر مع ظهور أولى تباشير المدينة الجديدة التي شيدها النظام الدولي خارج المدينة العتيقة، ثم تحول مع مرور السنوات إلى مزار لضيوف طنجة من الفنانين والسياسيين والكتاب والبوهيميين، وأيضا من الجواسيس والأفاقين القادمين من كل أصقاع العالم.

في هذا المقهى جلس الكاتب الأميركي تنيسي وليامز مع ابن جلدته بول بولز، ومعهما الفرنسي جان جينيه، الكاتب المتمرد إلى آخر حياته، ومعهم محمد شكري، الذي أرخ لهذه المرحلة في كتب كثيرة نحت نحو طابع السرد الذاتي والشخصي.

قرب مقهى باريس ساحة لا تزال إلى اليوم ملتقى لكل القادمين نحو طنجة، والتي يسميها السكان «سور المعكازين»، أي «سور الكسالى»، لأنها كانت محطة استراحة للمسافرين من وإلى طنجة في كل الأزمنة.

هذه الساحة لا تزال إلى اليوم محطة استقبال زوار طنجة، فيما يتأمل الناس تلك الجبال القريبة الرابضة حلف مضيق جبل طارق، إنها جبال الجنوب الإسباني الذي لا يزال يغري الكثيرين بالرحيل نحوه حتى ولو ركبوا الأخطار في سبيل ذلك.

 المرور عبر شارع الحرية يؤدي رأسا إلى ساحة السوق البراني، المعروفة باسم «السوق دبرّا». هذه الساحة كانت على مر الزمن سوقا كبيرا لسكان المدينة وزوارها، وإليها يحج المتبضعون كل أسبوع، وهي بالإضافة إلى ذلك، وبعد أن تحولت من سوق إلى ساحة عامة، تتميز بوجود الكثير من المعالم التاريخية، أهمها دار المندوبية، وهي البناية التي كانت تحتضن مقر الحاكم الدولي لطنجة، ولا تزال هذه البناية إلى اليوم واحدة من المعالم التاريخية والسياحية الأكثر شهرة، خصوصا بوجود أشجار ضخمة وعملاقة داخل حديقتها، والتي يقدر عمرها بمئات السنين. إنها أشجار تحكي لوحدها تاريخ هذه المدينة المثير.

قرب دار المندوبية يمكن بسهولة رؤية أدراج على شكل منصة مطلة على الساحة، إنها المنصة التي ألقى منها الملك الراحل محمد الخامس خطابه الشهير سنة 1947، وفيه طالب بشكل مباشر باستقلال المغرب، وقال كلمته الشهيرة «ما ضاع حق وراءه طالب». لقد اختار السلطان المغربي وقتها طنجة للمطالبة باستقلال المغرب نظرا لما كانت تتمتع به هذه المدينة من هامش حرية كبير، ولأن السلطان محمد الخامس أراد أن يوجه خطابه نحو العالم، فكانت طنجة المدينة الأنسب لذلك.

على مرتفع قريب من السوق البراني يوجد المقر السابق للشرطة الدولية، والمطل مباشرة على ساحة السوق. في هذا المكان يوجد كل يوم سياح بالمئات يلتقطون صورا للذكرى، إنها صور تحمل من صفحات التاريخ أكثر مما تحمل من ألوان.

قرب مقر الشرطة الدولية يمكن للزوار أن يجدوا متعة مختلفة تماما، وهي التسوق من تلك المتاجر الصغيرة التي يعرض فيها بدويون من ضواحي طنجة كل أنواع السلع الخاصة باللباس التقليدي. هؤلاء القرويون، الذين يطلق عليهم اسم «جبالة»، هم في أغلبيتهم الساحقة من أصول أندلسية استوطنوا طنجة وضواحيها، مثلما استوطنوا مناطق أخرى من المغرب، ويبيعون أشكالا نادرة من الألبسة والأحذية، بعضها يعود إلى قرون خلت، وبالضبط إلى تلك الفترة التي كان أجدادهم لا يزالون يعيشون في الأندلس قبل أن يتم طرد مئات الآلاف منهم عقب سقوط غرناطة سنة 1492.

قرب هذا السوق يوجد أحد أقدم مساجد المدينة، هو مسجد سيدي بوعبيد، وقربه توجد مقابر لمختلف الجنسيات، مسلمين ومسيحيين من كل الأعراق، إنها مقابر تؤرخ للتاريخ المتميز لطنجة التي احتضنت العالم في كنفها لزمن طويل.

على الجانب الآخر من ساحة السوق البراني يوجد ممر كبير على شكل باب مقوّس، إنه باب الفحص الذي يؤدي إلى المدينة العتيقة، أي إلى طنجة «الحقيقية» التي عمرت قرونا طويلة قبل أن تظهر المدينة الجديدة على الروابي المجاورة.

باب الفحص يؤدي يسارا إلى حي القصبة العتيق وإلى باقي الأحياء العتيقة في المدينة القديمة حيث المرتفع المطل على مضيق جبل طارق، وهناك صخرة الحافة التي توجد بها المقابر الرومانية المنحوتة في الصخر، وقربها هضبة مرشان التي كانت خلال العهد الدولي المنطقة المفضلة لبورجوازيي وأرستقراطيي المدينة من مختلف الأجناس.

ومن يعبر باب الفحص، وينحدر يمينا سيجد منظرا مختلفا. هناك عشرات من متاجر صرف العملة التي تستقبل مئات السياح كل يوم، وقربها متاجر الذهب والفضة بالعشرات، ولذلك سميت «طريق الصياغين»، نسبة إلى صائغي الذهب، ثم عدد من البازارات التي تعرض كل أشكال الصناعة التقليدية المغربية. إنها منطقة تجارية بامتياز، ويسميها السكان «السوق الداخل»، أو «السوق الداخلي»، لتمييزها عن السوق البراني، أو السوق الخارجي.

وتؤدي طريق الصياغين إلى ساحة تعتبر رمزا من رموز تاريخ طنجة، وهي «ساحة سنترال»، أو «الساحة المركزية»، التي كانت القلب النابض لطنجة الدولية. في هذه الساحة يتركز تاريخ طنجة كما يتكدس كنز في صندوق، فيها الفنادق والمقاهي من كل نوع، والمطاعم والمساكن والمساجد والكنائس ومعابد اليهود ومحلات البريد والمتاجر والمصارف.. كانت القلب النابض لطنجة الدولية، ومازالت كذلك اليوم، لكن بطريقة مختلفة.

عن “الشرق الأوسط”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى