الرئيسية / مجتمع / شاطئ الدالية: الأكاذيب الفاقعة في أجمل شواطئ طنجة

شاطئ الدالية: الأكاذيب الفاقعة في أجمل شواطئ طنجة



طنجة أنتر:

ظل الشغل الشاغل لمسؤولي إقليم الفحص أنجرة هو إلحاق شواطئ الإقليم بركب الشواطئ التي تحظى باستحقاق اللواء الأزرق الذي يفترض وجود عدة معايير لا يمكن تجاوزها من أجل اعتلاء هذه الدرجة. وقد وضعوا شاطئ الدالية في طليعة الشواطئ المرشحة لخوض غمار هذا السباق نحو المجهول.. وقبل أن نفاجأ غدا بالمعجزات ، ندعو إلى الالتزام ببرنامج الحد الأدنى فقط ، والمصالحة مع الذات قبل النفير في استجداء حكم الآخر بهدف الحصول على شهادة حسن السلوك عن هذا الشاطئ الجميل الذي يحتاج إلى كثير من الجهد لإعادته إلى طبيعته الأولى التي تضررت بفعل التدخل العشوائي، وسوء تدبيرالموسم الصيفي من طرف الجهات التي تتكلف بتنظيم الشاطئ، والرفع من مستوى أدائه وتحسين خدماته.. وقبل استباق ما سيتم الإعلان عنه هذه السنة من برامج نرجو أن تكون إيجابية وصادقة، وخالية من التمويه. نثير انتباه المنظمين إلى عدد من النقط السوداء التي قد يغضون عنها الطرف كما حصل في السنة الماضية ..

مآل قرية الصيادين السابقة :
فبعد ترحيل الصيادين إلى الميناء الجديد، وتفاديا لاحتلاله من طرف المرشحين للهجرة السرية ، تم هدم المباني التي كانت وسط القرية السابقة دون العمل على إزالة الأنقاض منذ السنة الماضية، مما حول الموقع إلى فضاء موحش ممتلئ بالنفايات، والمواد الحادة المكونة من مخلفات البناء والخرائب التي قد تتحول إلى عش للحشرات الضارة والأفاعي التي تهدد سلامة المصطافين . فضلا عما تنطوي عليه من تشوه وسط شاطئ من أجمل الشواطئ بمنطقة طنجة .. وهو ما يستلزم العمل على إزالة الأنقاض أولا ، وإزالة الطبقة المغطاة بالإسمنت من أجل إعادة الموقع إلى حالته الطبيعية لأنه يشكل جزءا من الشاطئ . كما كان مغطى بالأشجار قبل بناء القرية .ولذلك فإن الاختيار الأنسب هو إعادة تشجير الموقع من أجل الحفاظ على المساحة الطبيعية للشاطئ بعد التقلص الذي لحقه جراء إنجاز مشروع ميناء الصيادين. أما الاختيار الثاني، فهو إمكانية تحويل ذلك الفضاء إلى ملعب عمومي للقرب لفائدة شباب منطقة الدالية الذين لا يزالون محرومين من هذا الحق.

جرت العادة أن يتم التركيز في بداية الموسم الصيفي على القيام بحملات التنظيف الاستعراضية التي تقتصرعلى الواجهة الشاطئية فقط. في الوقت الذي يتم إهمال ركام النفايات المجمعة داخل الغابة وفي الممرات ووسط الرمال، وتحت الصخور بشكل بارز لا تخطئه العين. وذلك في الوقت الذي تتغنى الجهات المسؤولة بإنجاز نظافة الشاطئ وطهارته ..والجدير بالذكر أن قطاع النظافة بهذه المنطقة يخضع للتدبير في إطار لجنة مشتركة بين جماعتي قصرالمجاز والقصرالصغير، يطلب منها تولي تنظيف الشواطئ وجمع النفايات ونقلها بشكل منتظم بواسطة الشاحنات إلى المطرح العمومي بطنجة. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تجمعت النفايات بهذه الكثافة ..؟

ما فتئت طبقات رمال شاطئ الدالية تتعرض للاستغلال العشوائي المفرط منذ عدة سنوات أدى إلى اختفاء الكثبان الرملية التي كانت تشكل حاجزا طبيعيا بين الغابة والرمال،و تساهم في وقف زحف الرمال بواسطة نباتات من فصيلة الشيح ..
وبالرغم من الحملات المتعلقة بتنقية الرمال وإزالة النفايات، تظل جوانب من الشاطئ مهملة بالكامل، متخمة بالمواد الصلبة كالحصى والحجارة، والمواد الزجاجية والبلاستيكية، وقطع المعادن دون أن تطالها عملية التنقية، مما يشكل خطرا على سلامة المصطافين .. ففي الجانب الشرقي المجاور لميناء الصيد تحول الشاطئ إلى خليط من الرمل والأتربة والحجارة بعد تخلي شركة “صوماجيك” التي أنجزت الميناء عن أطنان من “الكرافيت” وسط الرمال دون القيام بتجميعها . أما في الجانب الغربي للشاطئ فقد تحولت الكثبان الرملية الجميلة إلى مزبلة ممتلئة بأنقاض قرية الصيادين المختلطة بالنفايات ومخلفات والبلاستيك. وفي منتصف الشاطئ ، فقد تم زرع ستة صهاريج للصرف الصحي الخاص بالمراحيض في قلب الرمال، وفي أماكن متفرقة عرفت تلوثا في أحيان كثيرة بسبب تسربات المياه العادمة في غفلة من المنظمين.

يتم خلال كل موسم تحديد فضاءات خاصة بتوقف السيارات على جنبات الشاطئ ووسط الغابة، وهو شيء محمود ومفيد. لكن الشيء الذي ينقص هذا العمل هو الشفافية والوضوح، سواء على مستوى التعريفة المعتمدة، وكذلك اختيارالجهة المتحكمة في هذه العملية، حيث يستفيد أعضاء منتخبون داخل المجلس من موارد هذا المرفق بشكل مخالف للقانون. في الوقت الذي تحرم الجماعة من هذه المداخيل التي يمكن لها تحديد مسطرة استخلاصها أو إجراء سمسرة علنية لكرائها من طرف أشخاص يلزمون باحترام دفاتر التحملات. وكل هذا يظل مغيبا لفسح المجال أمام المستفيدين من فرص اقتصاد الريع الذين يقتسمون الغنيمة كل سنة دون حسيب ولا رقيب ..

وهناك مشكل آخر يرتبط بوضعية موقف السيارات القديم الذي تهدم محيطه بالكامل بسبب الإهمال وغياب الصيانة، وبقيت أطلاله وجزء من السلالم التي لا زالت شاهدة على ماض مجيد ولى كان فيه شاطئ الدالية يضرب به المثل في البهاء والجمال. وكان يتوفر على معايير بيئية يفتقدها الآن. وكان بمواصفات دولية في السبعينات ، حتى قبل ولادة شارةً اللواء الأزرق الذي لم يظهر إلا في عام 1985 .

من اللوازم الأساسية لإنجاح الموسم الصيفي، هناك ضرورة توفيرالمياه وكذلك المرافق الصحية داخل الشاطئ. وهو ما يعد من المكتسبات التي تحققت منذ مدة بهذا الشاطئ. ويبقى المشكل المطروح هو الأسلوب المعتمد في استغلال هذه المرافق من طرف المنظمين. وكذلك طريقة تنظيفها وتصريف ما يتجمع بداخلها من إفرازات الصرف الصحي، حيث يجب أن تخضع هذه المرافق للتنقية المستمرة، ومعاينة الحفر المخصصة لتجميع المياه العادمة، ثم العمل على إفراغها بشكل منتظم وفق المعايير الصحية للحيلولة دون تلوث الشاطئ، مع احترام مبدأ الولوج إلى المرافق الصحية والاستفادة من المغاسل العمومية ..وهو ما يستلزم التنصيص على مجانية استعمال المراحيض والرشاشات إسوة بمجانية استعمال المظلات وإدراجها ضمن لوحة المعلومات في جميع مداخل الشاطئ . وأن تتم كتابة ذلك صراحة وبخط عريض بجانب المرافق الصحية لتفادي المشاحنات والمشاجرات التي تقع دائما كل سنة بين المواطنين الذين يؤكدون أن الخدمة مجانية- كما هو الشأن بشاطئ واد آليان- والمطالبين بالأداء مقابل استعمالها بدعوى توفرهم على اتفاقية تشرعن هذا العمل موقعة من طرف الجهة الراعية لعقد الشراكة.

تعاني غابة الدالية من التآكل المستمر تحت ضغط الاستعمال المكثف، وعشوائية الأنشطة، وعدم خضوعها للتجديد والحراسة وإعادة التشجير .. ولذلك يتم الوقوف يوما بعد يوم على تدهور غطائها النباتي، وتساقط عدد من الأشجار، وتعري مساحات واسعة وسط الغابة لتضاف إلى المساحات التي تعرضت للحريق في واضحة النهار منذ 3 سنوات .. لقد اندثرت غابة الكاليبتوس التي كانت تحيط بالشاطئ كإحاطة الحاجب بالعين بسبب التخييم العشوائي. واختفت غابة الصنوبر التي كانت تشكل خلفية خضراء رائعة سنة 2000 بفعل حريق ليلي كبير. وعاودت الاختفاء من جديد بفعل حريق أكبر وأفظع في واضحة النهار عام 2016 . وبذلك تخلت حرارة الشمس عن دفئها، وارتفعت حدتها وبدأت تلسع بسبب الغياب الكبير للغطاء النباتي الذي كان يعكس الكثير من أشعتها. ولا عجب أن الساكنة لا زالت تتذكر بألم ذلك اليوم المشؤوم والمخزي، وهي تشاهد الغابة تحترق تحت أنغام الموسيقى دون أن يتمكن أحد من فعل أي شيء .

يمر الطريق القديم بحالة مزرية بعد أن تخلى عنه الجميع بمن فيهم وزارة التجهيز، وهي أحد المساهمين في البرنامج الوطني للشواطئ النظيفة، حيث اعتبرت في مراسلة جوابية لجماعة قصر المجاز أن هذا المقطع لا يهم الوزارة ولا يدخل ضمن حظيرة طرقاتها، مع أنه يعد الممر الرئيسي والوحيد لمنارة ( راس سيريس) التابعة لها. فهذا الطريق الذي تحول إلى شبه منطقة حرب نظرا لامتلائه بالحفر الكبيرة، وانهياره في جانب منه حتى أصبح لا يسمح إلا بمرور سيارة واحدة.
موقف السيارات القديم أيضا، قد تهدم محيطه بالكامل بسبب الإهمال وغياب الصيانة.

الموسمية مقابل الاستدامة:
هناك مبالغ مهمة تصرف موسميا ولسنوات على الشاطئ، غالبتها تبذرعلى أنشطة ساهمت إلى حد ما في تلميع صورة الشاطئ إعلاميا عبر نشرات الأخبار والتقاريرالمصورة المرسلة إلى مختلف الإدارات. والتي تظهره وكأنه قطعة من الشواطئ الأوروبية المقابلة. و في المقابل عجزت عن تحقيق تنمية حقيقية كالإسهام في تحسين الشاطئ ومحيطه بيئيا، أو بناء تنمية حقيقية ومستدامة على أرض الواقع يمكن تلمسها في اقتصاد القرية أو اقتصاد جماعة قصر المجاز. فطوال هاته السنوات لم تخصص أدنى نسبة مئوية من تلك المبالغ للنهوض بأحوال أهل المنطقة تنمويا، كدعم معنوي يخفف عنهم ما عانوه ولا زالوا بسبب نزع ملكية أراضيهم. فالسكان يفتقرون إلى الربط الفردي بالماء، وبشبكة الصرف الصحي، وإلى كل ما له علاقة بالبنية التحتية، كالطرق وملاعب القرب. فرغم الملاعب العديدة التي وزعت على مختلف مناطق الإقليم في السابق، لم تحظ الدالية ولو بملعب واحد. كما أن اسمها ظل غائبا عن قائمة الملاعب ال15 التي صادق المجلس الإقليمي على إنجازها مؤخرا.

إحالة تاريخية :
شاطئ الدالية كان في أبهى حلله منذ الاستقلال. ففي السبعينات من القرن الماضي كان في أوج مستواه ، حيث كان بتوفره آنذاك على طريق خاصة تربط بين الطريق الوطنية رقم 16 ومنارة (راس سيريس ) معبدة بالأسفلت بالكامل. تنتهي بمواقف سيارات عصرية وسلالم وأدرج تصل حتى رمال الشاطئ، بحيث كان في إمكان المصطافين الصعود إلى سياراتهم وهم حفاة وبلباس البحر عبر أدرج جميلة مظللة بأشجار الكاليبتوس. وبالإضافة إلى رواده من الساكنة المحلية، كان الشاطئ قبلة للسياح الأجانب والطبقات الميسورة بالمدن التي كانت تتكبد عناء المجيئ إلى هنالك بحثا عن السكينة المنبعثة من خضرة غاباته، وصفاء وزرقة مياهه، ونقاء رماله الذهبية، ودفء أشعة الشمس المجتمعة بين جباله. إلا أن تلك السكينة قد اختفت مع ظهور مكبرات الصوت التي تعتلي منصة ما يطلق عليها اسم ” الأنشطة” التي حولت الشاطئ إلى سوق شعبي كبير مليئ بالضجيج بسب الأصوات المرتفعة والاختيارات الغنائية التي لا ترضي كل الأذواق، وتحرم زوار الشاطئ من الاستمتاع بأصوات الشاطئ الطبيعة كصوت هبوب الرياح الخفيفة، وصوت تكسر الأمواج الصغيرة. وحدها زرقة وصفاء مياه البحر التي نجت لحد الآن. ونرجو أن لا يأتي ذلك اليوم الذي يمكن أن يحاولوا فيه إقناعنا بأن اللون الأحمر أو الأصفر هو الأفضل للبحر. كما يوهموننا الآن بأن زرع بضع مظلات في رمال الشاطئ صيفا خير من زراعة الأشجار إلى الأبد . وأن القفز والنط فوق منصة الشاطئ، وأخذ صور جماعية مع قطعة ثوب زرقاء سيمكننا من الحفاظ على البيئة..

وحده الاهتمام الحقيقي بشاطئ يوجد في طليعة الجزء الجنوبي من (محمية المحيط الحيوي البيقاري للمتوسط ) أو محمية “البيوسفير” الذي يمر حتما عبر الاهتمام بالإنسان هو الذي من شأنه أن يغير المعادلة.
فمنظمة اليونيسكو التابعة للأمم المتحدة والراعية لهذا النوع من المحميات تعتبر الساكنة المحلية هي قلب المحيط الحيوي ، عبر برنامجها “الانسان والمحيط الحيوي”
Man and Biosphere المطبق بعدة دول منذ 1971 والذي يهدف الى تحسين علاقة الانسان بطبيعته والربط بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية وتطوير استراتيجيات لإدارة المحميات الطبيعية مع الاخذ في الاعتبار التنمية المستدامة والنفع المادي للسكان المحليين في هذه المناطق.


إن هذا الاهتمام الدولي لم يأت من فراغ، والمغرب منخرط فيه، ولكن شتان بين القول والفعل..
عن “المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى