الرئيسية / مجتمع / حين غضبت طنجة في مثل هذه الأيام قبل أربعين عاما

حين غضبت طنجة في مثل هذه الأيام قبل أربعين عاما



طنجة أنتر:

في مثل هذه الأيام من شتاء سنة 1979، كانت طنجة تغلي بالمظاهرات الصاخبة، وتعطلت الدراسة في مؤسساتها التعليمية وأصبح الوضع محتقنا، والسبب لم يكن لا شركة أمانديس ولا انتصار المنتخب ولا فوز اتحاد طنجة باللقب ولا حركة 20 فبراير، ولا أية قضية من القضايا المشابهة التي نعيشها اليوم.

في تلك الأيام هبت طنجة احتجاجا على زيارة شاه إيران لطنجة، وهي لم تكن زيارة عادية، بل جاءت فيما يشبه اللجوء السياسي لشاه إيران إلى المدينة، بعد أن أطاحت به ثورة شعبية قادها رجال الدين، بزعامة آية الله الخميني.

هذه الاحتجاجات الشعبية، رغم أنها جرت في زمن ملك لا يعرف الحلول الوسطى مثل الحسن الثاني، إلا أنها عجلت برحيل الشاه من طنجة، والذي سافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث مات بعدها بزمن يسير مريضا بداء السرطان.

ففي مثل هذه الأيام قبل أربعين عاما انهار حكم “شاه” إيران محمد رضا بهلوي، منهيا بذلك قرابة 2500 عام من الملكية المطلقة.

بداية الانهيار كانت منذ العام 1975، حيث كانت الرسائل الصوتية لآية الله الخميني المعارض لنظام الشاة بهلوي تصل للشعب الإيراني عبر الحدود مع العراق المنفى الأول له، قبل أن ينتقل لمنفاه الثاني في فرنسا.

وخلال ثلاثة أعوام تمكّن الخميني بتسجيلاته من تأليب الشعب على حكم “الشاه” الحليف القوي للولايات المتحدة، والذي كان يسيطر على أجهزة الدولة وإعلامها بقبضة حديدية.

وفي1978/1/7 نشرت صحيفة “إطلاعات” -الموالية للشاة- مقالا تحت اسم مستعار بعنوان “إيران والاستعمار الأحمر والأسود”، وهو المقال الذي أثار غضب أنصار المعارضة، حيث اعتبروه إساءة للعلماء المسلمين.

وفي التاسع من يناير، انطلقت مظاهرات عارمة بمدينة قم مقر المدارس والمراجع الدينية احتجاجا على المقال، وقتل واعتقل في هذه المظاهرة المئات برصاص قوات النظام، وكان ذلك بداية للثورة التي امتدت طوال الأشهر التسعة اللاحقة لتصل جميع أرجاء إيران.

وبعد أن عجز “الشاه” عن السيطرة على الشارع أعلن بتاريخ 1979/1/16 تخليه عن السلطة ومغادرته طهران إلى مصر، ثم إلى المغرب، وبعدها على أمريكا. وفي 1979/2/1 وصل الخميني على متن طائرة فرنسية إلى طهران حيث كانت جموع غفيرة من الإيرانيين باستقباله.
وفي 1979/2/11 أعلن عن انهيار حكم الشاه بالقضاء على آخر مجموعة مسلحة تابعة له.

وفي هذا العمود، الذي كتبه الصحافي الطنجاوي، والتلميذ وقتها، محمد سعيد الوافي، المقيم حاليا يف أمريكا، نستعيد أجواء احتجاجات طنجة على زيارة الشاه:

محمد سعيد الوافي

وقفت أمام بوابة ثانوية محمد بن عبد الكريم الخطابي وبيدي سلسلة وقفل كبير وكان المخطط هو وضع القفل على الباب لمنع التلاميذ من الدخول .. لم أكن الوحيد الذي خطط لهذه العملية فإلى جانبي وقف أحد الزملاء .. كنا نعلم أن حارس المدرسة يراقب فعلنا وهو متردد في منعنا وعلى بعد أمتار منه وقف الحارس العام أو ” وحش الفلا ” كما كنا نلقبه. “”
فقبل أيام قليلة اهتزت مدينة طنجة إحتجاجا على نزول شاه إيران ضيفا ثقيلا عليها بعد أن طلبت منه الولايات المتحدة مغادرة أراضيها تفاديا للإحراج..
– علاش مغطي وجهك آ صاحبي .. ياكما خايف ؟
– ولا آ صاحبي .. مخصومشي يعرفو شكون لي شد الباب باش يدوخو.. وزيدون خصهوم يبقاو شاكين فالتلاميذ كاملين باش ما يعاقبو حتى واحد
– المهم عمل القفل ويا الله نمشيو نوقفو فالدخلة إلي من جهة السواني.. طلق راسك الصطافيط .. سربي .. طلق
وضعت القفل على الباب وتلك كانت مهمتي لا غير .. ليتولى صاحبي تدنيس القفل بروث البقر والكلاب والبشر حتي تحول الرائحة الكريهة دون إقتراب التلاميذ من الباب.
لم نكن نعرف من يحرك الإضراب .. أو من يخطط له .. ولم نكن نعرف عن إيران سوى ما نشاهده من اصطدامات ومظاهرات على شاشة التلفزيون الإسباني طبعا.
وتحولت كل أحاديثنا عن كيفية تقليد المتظاهرين الإيرانيين والقضاء على عدو لم نكن نحدده بالإسم .. فهو الحارس العام المتغطرس وهو شاه إيران الظالم وهو رجل الشرطة الذي يلاحقنا وهو الشاباكوني الذي يهشنا بعصاه وهو كل من يركب سيارة فارهة .. لكن الشئ الوحيد الذي كنا على يقين أننا نؤديه بإخلاص هو الإحتجاج .. أما أسبابه فكانت كثيرة لا حصر لها تبدأ في البيت ولا تنتهي .. أمور لاحقتنا بعناد وتأني وتخطيط..
قيل لنا أن شاه إيران سوف يسكن في طنجة .. وقيل لنا أن العالم كله رفضه بسبب ظلمه وجبروته .. وأكد لنا كبار تلامذة ثانوية ابن الخطيب ( قسم الباكالوريا ) أن وجوده في طنجة هو إهانة لنا ولسكانها فطنجة كانت معقلا لكل ثوار المغرب وملاذا آمنا لقبادات ” الحركة الوطنية ” ولا يمكن أن تدنس أرضها الطاهرة بوجود مصاص دماء مثل رضا بهلوي.
– آ الشاه مشي بحالك راه طنجة ماشي ديالك
– يا خائن يا سفاح راه طنجة بلاد الكفاح
كنت أصرخ وقد تحولت الدفاتر بين يدي إلى شبه رغيف ملتوي ولم أعد حريصا على ستر وجهي فقد شجعني العشرات من التلاميذ والعمال المكشوفة وجوههم وانتفض شيء ما بداخلي واستقر في عمق وعيي الباطن شيء جديد ورؤية أخرى للمكان والعمارات والبشر. لم يكن المتظاهرون يتباهون بأحذيتهم الجديدة ولم يكن بينهم من يدقق النظر في بنطلوني الجينز المزور ( ماركة صنع في المغرب ) كان الجميع متآخيا , يد واحدة وصوت واحد يهتف باسم الحرية والإنعتاق وينادي بسقوط الظلم والجبروت.
لقد كنا في غفلة عن دهاليز السياسة وتقاطعاتها فقد شكلت هذه المظاهرات فرصة لنا للإنعتاق من روتين الدراسة وقيودها وواجباتها , كسرنا التوقيت وثرنا على الإنضباط وعصينا أوامر الحارس العام والمدير وواجهنا الشرطة بصراخ وشعارات بالكاد كنا ندرك معناها ..
بعد سفر الوالد للعمل خارج مدينة طنجة صدر الحكم على بالعيش في دار أحد أصحابه وكان في مرتبة عمي .. لم يكن الرجل رحمه الله سهل المزاج أو الطباع لكنه كان طيب القلب كريما لا يدرك للبخل أي معنى وكان اسمه ( الفاضل ).. وكان هذا الرحيل بمثابة عقاب قاسي فصلني عن أقراني في الحي وأبعدني ولو لفترة عن عصابة العفاريت ومخططاتها الشيطانية.
عدت إلى بيت عمي وكانت الساعة تشارف الرابعة بعد الزوال ففتحت زوجته الباب وقد أدهشها ما رأته:
– ويلي .. ويلي .. ويلي .. شعاندك .. شني وقاع
– والو .. ؟! ما وقاع والو .. علاش ؟!
– يا لطيف .. أوووف أف .. شهاد الريحا .. ؟
– شمن ريحا ؟!
– خرج .. خرج .. زول ديك الحوايج .. وغسل وخلي كلشي فالغرسة .. ما تدخل والو .. ريحتك خانزة .. ريحت (حاشا الناس) آ ولدي .. واش كنتي فالمدرسة ولا كنت مع البقر
– آه .. فهمت .. شفتي .. التلاميذ .. حطو ( الخ ) فالباب دالمدرسة باش ما يدخل حتى واحد حيت كاين الإضراب
استمعت لكلامي بكل هدوء وتروي .. ثم أمرتني أن أصعد إلى غرفتي للقيام بواجباتي المدرسية .. كنت جائعا .. ولم أتمكن من الدخول إلى المطبخ كما كانت عادتي في منزل أبي .. حاولت إفهامها الأمر فكان الجواب واضحا .. صريحا وبدون أية مقدمات
– سمع حنا عندنا كلشي بالوقت .. الماكلة بالوقت والنعاس بالوقت والقراية بالوقت .. ديك الفوضى لي كنت مسانس عليها فبال فلوري نساها .. سمعتيني
– ولكن أنا فيا الجوع .. وما يمكنش نطلع نقرا .. ونرجع نمشي للسوايع ( الساعات الإضافية ) وكرشي كتقرقر بالجوع .. واش دار ولا عزاريطو هذا ( عزاريطو كان يومها هو إسم السجن المركزي بطنجة )
– واش ماش تسكتني .. أنا مقلتلكشي تمشي بالجوع .. ملي يجيو ولاد عمك .. ماش تعملو المريندا كاملين ( المريندا في لغة أهل طنجة هي الوجبة الخفيفة بين الغذاء والعشاء ) .. ولكن ملي فيك الهضرة بزاف .. ماش نخليك حتى يجي عمك ويتفاهم معاك
– ما يتفاهم معايا ما نتفاهم معاه .. وهو ماشي عمي وأنتينا ماشي مرت عمي وأنا باغي نمشي لدارنا .
– قلتلك سكتني من الصداع .. والله وما سكتي حتى نعيطلو يجي دابا
– و عيطلو .. كتخوفني ..
خرجت إلى حديقة البيت وأنا في قمة الغضب والهيجان .. كان المنزل يقع كان أهل طنجة ولا زالوا يطلقون عليه إسم حي علي باي .. نسبة إلى تمثال أحد البايات الذي كان يسمى علي باي ولم أتمكن من إيجاد أي تفسير لوجود هذا التمثال لهذا الرجل المعمم في أحد أحياء طنجة فكونت لنفسي تفسيرات إستقيتها من هنا وهناك وربطت يومها بين إسم علي باي وعلي بابا .. وقمت بصياغة أسطورة من خيالي ملخصها أن علي بابا والأربعين حرامي جاؤوا إلى طنجة واستولوا على كنوزها وهربوا بينما ألقي القبض على رئيسهم وتم تحنيطه وبقي في حي بني مكادة عبرة للتاريخ .. فأطلق على الحي إسمه.. أعجبت بالأسطورة وصدقتها .. وكان أجدى بي أن أختلق شيئا يسليني وينسيني حرقة فراق الأصدقاء وحرية حي فال فلوري ..
كان بيت عمي الفاضل ( صديقي أبي ) عبارة عن بناء من القرميد والخشب بالداخل من الطراز الفرنسي .. وكانت كل حركة بداخله محسوبة فإذا لم تحسب عمدا فعلى الأقل يعرف الجميع من وقع الأقدام على الأرض الخشبية أنك تتحرك.
حملت دفاتري واتجهت نحو المدرسة التي كنت أتلقى فيها الدروس الإضافية في مادة الرياضيات , مادة لم أك أكره في الكون شيئا أكثر من كرهي لها .. كنت أمشي وأنا أردد نفس الشعارات التي حفظتها من التظاهرة ضد وجود شاه إيران بطنجة .. وبين الفينة والأخرى كنت أرفع صوتي فكان المارة يلتفتون نحوي في استغراب وسؤال ..
لم يكن بإمكاني أن أعرج على حي بال فلوري حيث جدتي وأخوتي وأصحابي وكم حز في نفسي فراقهم بعد أن أجبرني والدي على الحياة ببيت صديقه.
بلغت المدرسة وكانت تقع في منطقة تسمى براس المصلى .. حيث اصطفت محلات بيع الملابس بكل أنواعها .. وكانت الرحلة من بيت عمي إلى الدروس الإضافية تجمع بين المتعة والعذاب .. متعة الإنخراط في عوالم مختلفة وعذاب الحرمان وفراق الأهل وسلطة عمي الذي تلقى أوامر من أبي بأن يحرص على حسن سلوكي فما كان منه سوى أن تحول إلى رجل سلطة كل همه هو معاقبتي على كل صغيرة أو كبيرة.
كنت أعلم أن زوجته سوف تخبره عن فعلتي وصراخي .. فراجعت نفسي في أمر العودة .. لكنني قررت أن أتحداه وأعود لبيته على أمل أن أكسب بعض الوقت لتخطيط أمر الهروب بشكل أنجح.
– تبارك الله .. فاين كنتي آ السخط .. آ الشيطان فصورة بنادم .. هادي العشرة د الليل عاد ماجي
– كنت فالدروس الإضافية
– وهاد الدروس الخريانية كتبقى حتى لنص الليل ؟
– أولا أنا ماشي سخط وماشي شيطان .. تانيا الدروس كتسالي فالتسعود وهادي العشرة وربع .. وحسب لراسك شحال د الوقت من راس المصلى حتى حومة لعلي باي
– وزايدها بالصنطيحة .. ما كفاكشي الفوضى لي عملت لهاد المسكينة .. جيت جبرتها كتبكي .. ومكملها تبارك الله عليك بالمظاهرات .. سحابلك ما عندي خبار .. راه جاو المعلومين ( المخبرين ) لعندي حتى للمعمل وقالولي بكلشي .. راهوم عرفوك وصوروك انتينا وديك الرباعة ديال المخربين ونتوما كتمنعو التلاميد باش ما يقراوش
– حنا كنا فالإضراب .. والناس كاملين كانو كيحتجو على الشاه و علاش جا لطنجة
– وعلاش طنجة دباباك ؟ ولا وارتها على يماك ؟
– ما تقولشي يما .. الله يرحم باباك آعمي الفاضل .. خليني كنحترمك
– لا.. وغير ما تحترمنيشي .. صبر .. آ ولديك
ووقع ما لم أغفره لهذا الرجل أبدا حتى يوم وفاته ( حيث سامحته من عميق قلبي ) .. مسك بأنبوب غاز بلاستيكي وبدأ يضربني حيثما أصابت يده لم يفرق بين الوجه أو العين .. كان يضرب وكنت أصرخ وألقي له بالكلمات .. فتدخلت زوجته فنالت نصيبها من الضرب بعد أن هاج وأزبد.
تركت البيت وكانت الساعة تناهز الحادية عشرة ليلا ..
” غيرك في السجون .. فلابأس أن تضرب قليلا .. ألم تكن بالفعل في التظاهرة ؟ ألم تكن مقتنعا بما قمت به ؟ لكن ما الذي قمت به ؟ سوى أنك ناديت بسقوط الظلم .. ؟؟ ألم يحرم الله الظلم ؟ أين العيب إذن ؟ الم يحرم الله القتل ؟ أين العيب إذن ؟ ألم يحرم الله القهر والجبروت وسجن الأبرياء وتقييد الحرية ؟ فأين العيب فيما فعلته ؟ إذن عمك هذا والجواسيس الذين أخبروه يرتكبون الخطأ وأنت ومن معك على صواب .. لقد قال لنكم طلبت الباكالوريا اليوم أن حماية مجرم هو إجرام .. والتستر على قاتل هو قتل … ”
كنت أسير في درب من دروب الفقر المدقع بحي الصفيح ببني مكادة و التقطت عيني صور أناس تستر عوراتهم صفائح القصدير المتآكلة .. رأيت بعض الشباب وهم يدخنون الحشيش .. وآخرون يتناوبون على قنينة خمر رخيص .. اشتم أنفي روائح كريهة امتزجت برائحة الأكل .. كانت الصور توحي بمغرب غير ذلك الذي أراه على شاشة التلفزيون الرسمي .. فعاودتني عبارات طلبة الباكالوريا في ثانوية ابن الخطيب .. وراجعت فصول الشعارات التي رددتها في التظاهرة مثل الببغاء فقفز السؤال إلى ذهني : هل كان احتجاجنا على وجود شاه إيران بطنجة ؟ أم هو القطرة التي أفاضت الكأس ..؟ هل كان المحتجون ينادون بسقوط هذا الظلم .. وهذا الحيف .. وهذا الجبروت .. ؟؟
” من أين أنا آت وإلى أين المفر ؟..
هل ستنشر صوري في الجرائد ؟ وهل هم الآن بصدد البحث عني ؟ يا إلاهي كم هو صعب درب أولائك الذين اختاروا السير عكس التيار ؟ وكم يقاسون من عذاب في سبيل فكرة أو شعار أو نداء .. لكن أين أنا وما فعلته من كل هؤلاء ….ههههه لا شيء مجرد لا شيء … ”
– إبوا آ وليدي راه جا عمك الفاضل .. وفتح دوقمو فينا مزيان
– علاش آ العزيزة .. راه غير باغي يتعدى عليا
– مسكين انتينا كلشي باغي يتعدا عليك .. الراجل كيقول بلي البوليس عيطولو وقالولو راه صوروك وانتينا كتزبل فالحكومة ؟ إيوا وجد راسك ملي يرجع باباك .. راه هضر معاه ووصلو كلشي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى