الرئيسية / حوادث / حرائق غابات الشمال: من وراءها..؟

حرائق غابات الشمال: من وراءها..؟



طنجة أنتر:

توالي اندلاع الحرائق المفاجئة خلال هذه السنة على صعيد غابات منطقة الشمال الغربي التي تشمل بالدرجة الأولى الغابات التابعة لولايتي طنجة تطوان وإقاليم شفشاون والعرائش، يضع أكثر من علامة استفهام حول طبيعتها وكيفية تنقلها بالتناوب بين تلك الغابات في أوقات متقاربة. ورغم قوتها التدميرية التي أتت على آلاف الهكتارات، يبقى الفاعل الحقيقي دائما في طي المجهول.

التحقيقات التي تجرى في الموضوع تظل قاصرة عن الوصول إلى السبب الحقيقي، علما أن كل القرائن تدل على أنها تتم بفعل فاعل وبخطة مدبر ة من طرف بعض الأطراف التي لها مصلحة في إبادة الغطاء الغابوي وتحويله إلى أراضي صالحة للاستغلالات المتعددة ..

ومما يدل على ذلك هو إضرام تلك الحرائق في أكثر من موقع حتى تصعب السيطرة عليها، ومن أجل أن تحافظ على قوتها التدميرية رغم التدخلات المكثفة لمصالح الوقاية المدنية التي توظف كل الإمكانيات والمعدات المتوفرة لديها لمقاومة الحرائق، بالإضافة إلى الاستعانة بعدد من المتدخلين، وعلى رأسهم عناصر القوات المسلحة الملكية وقوات الدرك ورجال القوات المساعدة وعمال الإنعاش ورجال السلطة وكذلك مجموعات من الساكنة ..

قوة شبهة الأفعال المتصلة بهذه الحرائق، هو اندلاعها انطلاقا من حواشي الغابة القريبة من المناطق السكنية، مما يؤكد أن الهدف في مثل هذه الحالات يكون هو التوسع العمراني داخل الغابة بعد التخلص من الغطاء الغابوي ..

ويبرز ذلك في اتساع دائرة عدد من الدواوير المحاذية للغابات خلال السنوات الأخيرة ..وهناك عامل آخر يثير الشك حول طبيعة هذه الحرائق، و هو وجود عدد من الملكيات الموثقة بواسطة العقود العدلية وشهود الزور وسط الوعاء العقاري الغابوي، يتم إعدادها من طرف بعض الأشخاص النافذين الذين يتلقون الدعم من نواب الجماعات السلالية ومن ممثلي السلطة، فيظلون يتحينون الفرصة من أجل الانقضاض على تلك الأراضي التي تتحول إلى تجزئات عقارية وإلى مشاريع خصوصية.

أجواء الصمت والتعتيم على الحرائق:

والمثير للانتباه هو أن هذه الحرائق قد مرت في صمت، حيث غابت عنها التغطيات الصحفية الكافية، ولم يسجل حضور الإعلام الرسمي إلا ناذرا ، كما أن الجهات المسؤولة لم تتول إصدار بلاغات رسمية في الموضوع تخص كل حريق على حدة محددة طبيعته وكذلك المساحة الغابوية التي تعرضت للإتلاف مثل ما تقوم به وزارة الصحة فيما يخص تقديم الحصيلة اليومية للمصابين والوفيات جراء داء كورونا ..، وذلك باستثناء ما رشح عبر مراسلي بعض الصحف والمواقع الذين تمكنوا من انتزاع بعض المعطيات من مصالح الوقاية المدنية التي وجدت نفسها وسط دوامة من الصعوبات والتحديات، لأن النيران كانت تندلع في أوقات متقاربة في أكثر من غابة واحدة، مما ساهم في تعقيد عملية التدخل، لأن هذه المصالح تكون مضطرة في مثل هذه الحالة إلى توزيع جهودها ووسائل التدخل المتوفرة لديها، هذا فضلا عن كثافة الغابات وتشابك الغطاء الغابوي وعدم توفر المسالك وبعد نقط التزود بالماء.

كما أن توسع العمران على حساب الغطاء الغابوي في كثير من المناطق السكنية المجاورة للغابة يؤكد أن هذه الأخيرة محكوم عليها بالزوال مستقبلا في غياب التدابير الصارمة لحمايتها من الترامي والتملك في نهاية المطاف .. ويمكن الاستدلال بغابات الشجيرات والهرارش والسانية والرهراه ومديونة وكزناية التي يتخللها عدد من الملكيات الخاصة التي تم نسجها بطرق ملتوية..

التعقيدات الخاصة بعملية مكافحة الحرائق:

إن طبيعة الحرائق التي تمركزت في هذه المنطقة خلال فترة وجيزة يطرح أكثر من تساؤل حول النوايا الحقيقية التي تقف خلفها. فأمام هول الحرائق وشراستها يمكن التسليم بفكرة العوامل الطبيعية، مثل ارتفاع درجة الحرارة، وهبوب رياح الشرقي ..

لكن تكرار هذا الفعل بهذه الدرجة من الانتشار يدعو للتساؤل عن مدى تحمل مصالح إدارة المياه والغابات وكذلك السلطات مسؤولية حماية الغابات وفق الدور المنوط بها. فهل تتوفر التغطية الأمنية الشاملة لكل الغابات؟،

وهل يتم إنجاز البرامج المتعلقة بإحداث المصدات والممرات العازلة داخل الغابة مع إعادة التشجير واستعمال وسائل الرصد المتطورة في مراقبة الملك الغابوي وخلق نقط التزود بالماء وسط الغابة من أجل التدخل في الوقت المناسب؟

وهل تخضع الغابات لعملية التنقية وإزالة الأحراش اليابسة التي تكون سببا في اندلاع الحرائق؟ وهل تتوفر إدارة المياه والغابات على الموارد المادية والبشرية الكافية للقيام بواجبها..؟

ونفس السؤال يطرح بالنسبة للمصالح الخاصة بالوقاية المدنية، هل هي مؤهلة بما فيه الكفاية لإنجاز التدخلات الحاسمة في مثل هذه الحالات المعقدة، وهل تتوفر على الإمكانيات البشرية واللوجستيكية لمواجهة تلك التحديات ؟

الحصيلة المنذرة بالخطر:

إن حصيلة الخسائر التي تتكبدها الغابات في المغرب عموما وعلى صعيد هذه المنطقة خصوصا، تطرح التساؤل بخصوص الأهداف التي تحددها الاستراتيجية الوطنية لحماية الغابات (2020/2030).

ففي ظل هذه الوضعية المرتبكة، هل يحق لنا الحديث عن آفاق سنة 2030، وهل بهذه الوتيرة في التدهور يمكن الوصول إلى الأرقام الموعودة؟، .. إن كل المؤشرات تبرز أن الجسم الغابوي غير سليم ولا معافى، فمعظم الغابات في المغرب قد تحولت إلى مجرد أشباح بعد تجردها من الغطاء الغابوي، حيث لا تبرز معالم الغابة إلا على مستوى الحواشي الخارجية أي الواجهة، أو في قمم الجبال.

أما على صعيد الوسط، فقد تحولت إلى مساحات جرداء .. ولا يحتاج الأمر إلى عناء بالنسبة للمسؤولين، حيث يمكنهم التأكد بنقرة على محرك البحث “غوغل ماب” للوقوف على المشهد العام المأساوي لغاباتنا التي نحلم بتطويرها في أفق زمني افتراضي .. إن الخوف كل الخوف هو أن لا نجد شيئا اسمه الغابة في سنة 2030 ..

علاقة المواطنين والمسؤولين مع الغابة:

ومن أجل التأكيد على أهمية الأقوال لا الأفعال، نقول إنه قبل التفكير في المستقبل يجب إعطاء الأولوية للحاضر . فكيف يتعاطى المواطنون والمسؤولون مع موضوع الغابة، وهل هناك وعي حقيقي بأهمية الغابة ودورها الوظيفي في الحياة ..

وهل هناك عشق للطبيعة إلى جانب احترامها وحفظها من الدنس.؟ وإلى أي حد يعشق المغاربة الطبيعة والغابة سواء داخل الحواضر أو في البوادي؟ إن السلوك السائد الآن حسب التشخيص العيني هو معاداة الأفراد والجماعات للبيئية ومحاربتهم لكل ما له علاقة بالتشجير وبالمجال الأخضر في مقابل إعلاء قيمة كل ما له علاقة بالتصحر ومراكمة الإسمنت واكتساح كل الفضاءات لفسح المجال أمام المد العمراني الفوضوي الذي يجتث كل معاني الحياة..

وللوقوف على حجم الكارثة التي حلت بغابات منطقة الشمال الغربي خلال الفترة الأخيرة من السنة، يمكن الاطلاع على المعطيات المضمنة في هذا الجدول.

أحلام ورهانات استراتيجية 2020-2030 :

ومن أجل قياس المسافة التي تفصلنا عن أحلام إسراتيجية 2030 نعيد التذكير بأهم مقتضياتها وأهدافها وصيغ تنفيذها من أجل تحقيق تلك النقلة الموعودة. ولكن شتان بين الأفعال المجسدة على أرض الواقع وبين المتمنيات التي يلوكها اللسان ويطويها النسيان فتتوارى مع انسياب الأيام..

تراهن تلك الاستراتجية التي تم إطلاقها في شهر فبراير 2020 على تحقيق مجموعة من الأهداف التي تم تسطيرها كاختيارات صارمة ضمن العناوين التالية :
” -العمل على معالجة تدهور الغابات وخلق التوازن من خلال الحفاظ عليها وتطويرها – إستدراك 30 سنة من التدهور الغابوي الوطني الذي تقدر مساحته ب9 ملايين هكتار– تعزيز تنافسية القطاع وضمان عصرنته- مصالحة المواطن مع الغابة – تطوير الموروث الغابوي لفائدة كافة الأجيال والفئات الاجتماعية – إعتماد نموذج تدبير مستدام ومندمج ومدر للثروة – إعتماد المقاربة التشاركية مع مستعملي الغابة – تقوية القدرات الإنتاجية للغابات وحماية التراث الطبيعي- تدبير وتطوير الفضاءات الغابوية حسب مؤهلاتها الطبيعية – تطوير وتحديث المهن الغابوية من خلال إنشاء مشاتل غابوية حديثة ورقمنة وسائل تدبير القطاع – الإصلاح المؤسساتي للقطاع من خلال تأهيل الموارد البشرية- إنشاء قطب للتكوين والبحث – إنشاء وكالة المياه والغابات ووكالة المحافظة على الطبيعة – المحافظة على الخاصية الوراثية للغابات المغربية”.

ولم يفت واضعي الاستراتيجية المراهنة على بعض الأرقام التي تشكل تحديا كبيرا أمام المسؤولين الذين عودتنا التجربة أنهم يقولون ما لا يفعلون، حيث يلتزم البرنامج ب”إعادة تغطية أكثر من 133 ألف هكتار ، بمعدل 50 ألف هكتار سنويا في أفق بلوغ هدف تشجير 100 ألف هكتار سنويا مع نهاية الاستراتيجية، وخلق 27500 منصب شغل مباشر إضافي، وبلوغ عائدات تثمين سلالات الإنتاج والسياحة 5 مليارات درهم كقيمة تجارية سنوية – إحداث أكثر من 200 منظمة محلية لتنمية الغابات والتعاقد مع الساكنة حول برامج تشاركية من أجل حماية 50 ألف هكتار من الأشجار المغروسة- إنشاء شبكة للتنشيط الترابي تضم أكثر من 500 منشط للقيام بدور الوساطة مع الساكنة – تشجيع الاستثمار الخاص على مساحة 120 ألف هكتار من أشجار الأوكاليبتوس والصنوبر ”

عن “المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى