الرئيسية / مجتمع / جلاّبة العيد في طنجة: “البوزْ”.. وأشياء أخرى

جلاّبة العيد في طنجة: “البوزْ”.. وأشياء أخرى



سميرة مغداد

جلابة العيد تبدلت وتغيرت وتلألأت أكثر من اللازم ..جولة صغيرة أيام العيد الصغير في شوارع طنجة، ترى فيها عجب الجلاليب النسائية التي أصبحت تراها من بعيد، مزهوة بالجواهر والموزون وعناقيد العنب وعروش الورود المنبتتة بالعقيق..

الجلابة أصبحت كاشفة شفافة على أجساد النساء بكل ألوان الطيف .. والله زمان حين كانت الجلابة موحدة تستر العيب والفقر والغنى والجاه ..اليوم تغيرت أحوال الجلاليب، أصبحت عبارة عن استعراض كبير للزخرفة واللؤلؤ والمرجان..التفاخر يزداد على حساب زينة العقل وهي البساطة والتواضع.. كلشي كايبرق ويلمع.. وليس كل مايلمع ذهبا، بل غالبه وأعمه “بشيبشي” على حد قول أهل طنجة أنفسهم.

الاحتفال بالصنعة التقليدية وإبداع الأشكال أمر جميل ومرغوب فيه، لكن المغالاة في الزواق والاستعراض يخفي نفسية هشة، أو لعله إمعان في إظهار سعادة خارجية لا تمت لواقع الحال بصلة ..

قبل أعوام كثيرة تزيد عن العشرين سنة، كانت الجلابة بالقابّ واللثام، وكان منظر النساء في الشارع له حضور خاص وجميل، وحينما يصلون الى بيوت الأقارب ليغافروا العيد، تنزع المرأة اللثام وحتى جلابتها لتظهر زينتها بالدفين والزكدون او قفطان بالسفيفة او الرندة والطرز، وكان للباس نخوته، لكن هذا البريق الذي يعج به الشارع يشكل تلوثا للعين ويضر المشهد العام، ولا أدري كيف يمكن لشخص أجنبي أن يأخذ تصورا عنا من خلال جلابيب مثيرة مضاءة باليزيستراس أو الموزون ونياشين مذهبة تتجاوز كل ذي ذوق سليم.

تغيرت ثقافة ارتداء الجلابة وهي قد تكون محمودة في ظل التسابق الى الإبداع وإدخال روح العصر، دون أن اغفل الإشادة بذوق ا نساء طنجة في رحلة البحث عن جلابة مناسبة للعيد والتنسيق الرفيع للألوان، وقد شهدت مرارا حالات طوارئ ليلا بحثا عن منديل رأس يلائم لون الجلابة، أضف إليه الصاك والصباط لتكتمل زينة العيد. لكن ما نراه اليوم يكاد يفرغ الجلابة المغربية من روح الوقار والنخوة.

مثير فعلا هذا التسابق والتنافس حول ارتداء أجمل جلابة، بل أميع جلابة إن صح القول، بأثواب حرير وإستبرق ناعم وزخارف لامعة لإثبات وجود صاحبتها ومكانتها في قلب الشارع، لكن للشارع لباسه وللبيت والمناسبات لباسهما.. اختلطت الجلاليب بالتكاشط والزكادن ولم نعد نفرق بينها ..الموضة مجنونة وبعض التقهقر والمسخ في المظهر قد يحيلنا على التلفة التي نعيشها، لم نعد نعرف ما نلبس، وهذه العولمة والثقافات المتداخلة فينا ووسائل التواصل الاجتماعي المكوكية جعلتنا ننسى ثقافتنا ولا نستسيغها ونهرب من صباغتنا ..

حال اللباس في الشارع يعكس مجتمعنا الضائع بحثا عن هوية جديدة بين ثنايا صور الانستغرام وسناب شات والفيسبوك ، استلاب رقمي يترجمه شارعنا الميال مع هبة كل ريح. رحلة البحث مستمرة ومقاومة التفاهة مطلوبة. الناس تنضح بما فيها.

اتمنى يوما أن يكون الذوق واحدا تقريبا رغم كل اختلاف يحترم الخصوصية. هذا التنوع والبهرجة الفائقة الانتشار تحيل على ما تحيل إليه، الكل يبحث عن الإثارة و”البوز” حتى في الشارع العام.

ما نراه اليوم من زحام واختلاط الأذواق العجيبة يطرح تساؤلا إلى أين؟ هل هي مرحلة انتقالية حاسمة؟ هل هو طريق منعرج شاق سيؤدي ذات أمل إلى الأصلح لنا…

على كل حال.. نبقي على شعلة الأمل وسط هذا البريق المتلألئ على صدور و أكتاف وخصور النساء… العيد فرح وزينته التراحم والتآزر والإحساس بالآخرين… مبروك العيد وعاش بريق الأفراح والأنوار.. أو”الضيوان” بلكنة أهل مدينتي، النابعة من القلوب الصافية السليمة.
سميرة مغداد: مديرة مجلة “سيدتي” بالمغرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى