الرئيسية / ثقافة و فن / ثريا جبران.. فراشة المسرح المغربي

ثريا جبران.. فراشة المسرح المغربي



طنجة أنتر:

 

في ستينيات القرن الماضي، اقتحمت طفلة تدعى “السعدية اقريطيف” خشبة المسرح البلدي بالدار البيضاء، اتجهت كالسهم نحو زوج أختها وهو يؤدي دوره في مسرحية لتصرخ “عزيزي لقد أنجبت زوجتك بنتا”.

كان تصرفا عفويا من طفلة في العاشرة من عمرها لم تنتبه لكون الممثلين يؤدون أدوارهم، غير أن المخرج قرر جعل هذا المشهد جزءا من المسرحية، ومعه بدأت علاقة هذه الطفلة بأبي الفنون لتصبح بعد سنوات ثريا جبران سيدة المسرح المغربي.

وفي سن 68 وبعد خمسة عقود من الإبداع، انطفأت هذه الثريا إثر صراع مع مرض السرطان الذي واجهته بالابتسامة، كما واجهت كل العقبات التي اعترضت مسارها الفني.

مسرح الإنسان

تنتمي ثريا جبران لجيل الفنانين الذين اعتبروا الفن رسالة والمسرح مسؤولية والخشبة مقدسة، جسدت في مسرحياتها أدوار المهمشين والمطحونين، ودافعت عن حقهم في العيش الكريم، ونادت بالعدالة الاجتماعية، وانتقدت الفساد والظلم والقهر.

يقول الناقد الفني مصطفى الطالب إن مسرح ثريا جبران “كان إنسانيا يلامس قضايا المجتمع المغربي ويتفاعل معها”، ويضيف أنها كما ناصرت هموم وطنها دافعت أيضا عن هموم الأمة العربية خاصة القضية الفلسطينية.

ويشير الطالب إلى أن في مسرح ثريا جبران “اجتهادا وتنوعا وعمقا على مستوى السينوغرافيا والإخراج والتشخيص”، وقد أبدعت في تجسيد شخصيات ثائرة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وهي بحسبه “نموذج الفنان المثقف المؤمن برسالته الذي يضحي من أجلها، لذلك عندما ماتت ثريا تعاطف معها المجتمع المغربي بجميع أطيافه لأن المجتمع يتعاطف مع الفنان الصادق ويلتف حوله”.

اختطاف وإهانة

دافعت ثريا جبران بجرأة وشجاعة عن أفكارها ومسرحياتها ولم ترفع الراية البيضاء أمام المضايقات، بل دفعت الثمن عندما اختطفها مجهولون عام 1991 وهي في طريقها للمشاركة في برنامج تلفزيوني وحلقوا شعر رأسها قبل أن يطلقوا سراحها، في حادثة لم يتم تفكيك ألغازها بعد.

حكت عن هذه الحادثة في حوار صحفي، فقالت “وضع رجله (المختطف) على رأسي فأصبح فمي في أرض السيارة تماما، اجتاحني رعب شديد وداهمني البكاء وجف حلقي”.

وأضافت “لم أعرف من قبل ما معنى الخوف، وذلك اليوم عرفت ما هو الخوف، كان يصفعني، جاء بمقص وبدأ يقص شعر رأسي وهو يقول: إن كنت تريدين أن تكوني رجلا ساعة ينبغي أن تكوني رجلا بالفعل، وواصل قص شعري بعنف وحقد وشراسة دون أن يشفق على الأقل على جلدة رأسي”.

أول فنانة وزيرة

انخرطت ثريا في العمل السياسي من داخل اليسار، وفي عام 2007، عينت وزيرة للثقافة في حكومة قادها الاستقلالي عباس الفاسي، لتكون أول فنانة تتقلد منصبا حكوميا في تاريخ المغرب السياسي.

يصفها مقربون منها بالتواضع والالتزام، ويحكي المخرج المغربي عز العرب العلوي أنها عندما علمت بتعيينها وزيرة كانت لا تزال مرتبطة بتصوير فيلمه “تذكرة رقم  13″، ومع ذلك ظلت وفية لمواعيدها حتى انتهى تصوير الفيلم. وفي موقعها الحكومي، لم تدخر جهدا للدفاع عن قضايا الفنانين.

يقول مسعود بوحسين رئيس النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية للجزيرة نت إن ثريا أثبتت خطأ المزاعم بشأن عدم قدرة الفنان على تحمل مسؤوليات سياسية، فقد كانت فترة استوزارها رغم قصرها -استقالت بعد سنتين لأسباب صحية- غنية بالإنجازات والمشاريع على مستوى البنية التحتية الثقافية والدعم الاجتماعي للفنانين.

ويضيف بوحسين أن ثريا جبران اهتمت في مسرحها بهموم المواطنين اليومية، وفي الوزارة ركزت على تحسين الظروف الاجتماعية للفنانين.

الفرجة والعمق

تنقلت ثريا جبران مثل فراشة بين المسرح الكوميدي والتراجيدي التجريبي، وأبدعت في المونودراما، فنالت مكانة مشرفة في الأوساط الفنية العربية، واشتغلت ضمن عدد من الفرق المسرحية قبل أن تشكل في التسعينيات ثنائيا مع زوجها المخرج عبد الواحد عوزري ويؤسسا معا “مسرح اليوم” واحدة من أهم الفرق المغربية التي أنتجت أعمالا مسرحية جمعت بين المتعة والفرجة والعمق.

شاركت في عدد من الأفلام والمسلسلات المغربية والعربية من بينها “أسد الصحراء” و”ربيع قرطبة” وصقر قريش”، إلا أنها ظلت في وجدان المغاربة سيدة الركح “خشبة المسرح” وثريا أبي الفنون.

نعاها الملك محمد السادس في رسالة تعزية لعائلتها وصفها فيها بأنها “فنانة وممثلة متميزة يشهد لها الجميع بعطائها الغزير وبمساهمتها الفاعلة والجادة في تطوير وإشعاع الفن المسرحي والسينمائي وفي خدمة المجال الفني والثقافي الوطني”، كما نوه بما “اتسمت به من تفان ونكران ذات لا سيما خلال مزاولة مهامها الحكومية”.

براعة النصوص

برعت ثريا جبران في اختيار النصوص المسرحية ونقلت أعمالا أدبية وشعرية إلى خشبة المسرح، ومن تلك الأعمال مسرحية “حكايات بلا حدود”، وهي مقتبسة عن نصوص الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط، ومونودراما “أربع ساعات في شاتيلا” للكاتب الفرنسي جان جينيه، و”اللجنة” عن رواية صنع لله إبراهيم، و”الشمس تحتضر” مقتبسة عن ديوان الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي.

وتم تكريم الفنانة ثريا جبران في مهرجانات وطنية وعربية ودولية، ونالت جوائز وأوسمة أهمها وسام الاستحقاق الوطني، ووسام الجمهورية الفرنسية للفنون والآداب.

نعاها العديد من الفنانين المغاربة والعرب، وكتب الفنان مارسيل خليفة في وداعها “عندما التقيت ثريّا للمرة الأولى وفي زيارتي الأولى للمغرب وكانت في عزّ فتوتها قالت “عمري الآن أصبح متقدما وعليّ أن أنتبه للوقت، يذكرني بأنني ضيعت الكثير. في أي يوم لا أعمل أشعر بإحباط شديد. بقي سنوات قليلة أحقّق فيها المشروع الذي لا يتحقّق. المسرح المتحرّر من عبء تاريخه. من عبء الواقع. طبعا عملية مستحيلة ولكن عليّ أن أسعى. علي أن أحاول وأصدق أنه موجود لكي أبحث عن المسرح المستحيل”.

عن “الجزيرة.نت”

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى