الرئيسية / سياسة / انتخابات أوكرانيا: حين تنتصر الكوميديا على السياسة..

انتخابات أوكرانيا: حين تنتصر الكوميديا على السياسة..



طنجة أنتر:

لم يشكّل فوز الممثل الكوميدي الأوكراني فلاديمير زيلينسكي على الرئيس المنتهية ولايته بترو بوروشينكو في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التي جرت الأحد، مفاجأة، فقد سبق لزيلينسكي أن أحدث المفاجأة بتصدره الجولة الأولى من تلك الانتخابات حيث تقدم على بقية المنافسين البالغ عددهم 38 مرشحا.

وفي تلك الجولة التي جرت يوم 31 مارس الماضي، حصل زيلينسكي (41 عاما) على ضعف عدد الأصوات الذي حصل عليه بوروشينكو (53 عاما)، وبات فوزه بالمنصب شبه مؤكد، حيث أقر بوروشينكو بهزيمته.

فوارق
وكما كان الفارق كبيرا بين الاثنين في الجولة الأولى، جاء الفارق أكبر في الثانية، حيث حصل زيلينسكي على ثلاثة أضعاف ما حصل عليه بوروشينكو، الذي استشعر الهزيمة مبكرا وأقر بخسارته قائلا “سأترك منصبي لكنني لن أترك السياسة”.

تخلو السيرة الذاتية للرئيس الأوكراني الجديد من أي خبرة سياسية سابقة، ولا تعدو كونها برامج هزلية محلية في تلفزيون بلاده، لعب فيها دور مدرس ثانوي تولى منصب الرئيس على شاشته محققا شعبية مكّنته من تسجيل سابقة انتخابية في المنطقة.

أما بوروشينكو الذي أقر بهزيمته، فقد تخرج من كلية الاقتصاد قبل الدخول إلى عالم الأعمال، وهو أحد أبرز رجال الأعمال والسياسيين في أوكرانيا منذ التسعينيات، وكان أبرز داعمي الثورة البرتقالية عام 2004، وهي حركة موالية للغرب وتتحدى روسيا.

وقد اكتسب ثروته الضخمة من خلال شركة الحلويات التي يمتلكها، مما جعله يلقب بملك الشوكولاتة، كما يمتلك قناة تلفزيونية، وتقدر ثروته بأكثر من مليار دولار.

وعمل في عهد الزعماء السابقين وزيرا للخارجية ووزيرا للتجارة، قبل أن يصبح رئيسا لأوكرانيا عام 2014 بعد الإطاحة بسلفه المدعوم من الكرملين، ويتبنى تحولا سياسيا تجاه الغرب.

الرئيس المهزوم كان دائم التهكم على خصمه الممثل، الذي تخلو سيرته الذاتية من أي خبرة سياسية. ولم يكن بوروشينكو يتوقع أن يفضّل الناخب الأوكراني ممثلا تلفزيونيا هزليا عليه، ومضى في تهكمه قائلا “إن رئاسة من خمس سنوات ليست مسرحية هزلية يمكننا تجاوزها إذا لم تكن مضحكة، وليست أيضا فيلم رعب يسهل إيقافه”.

عزز هذا التوقع ابتعاد زيلينسكي عن وسائل وأساليب الحشد التقليدية في حملته الانتخابية، حيث تجنّب المقابلات الصحفية وفضّل وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا إنستغرام، حيث نالت حملته متابعة الملايين في بلد يبلغ عدد سكانه 42 مليون نسمة.

وعلى الرغم من عدم وجد برنامج سياسي مفصل لديه، تعهّد الممثل حديث العهد بالسياسة بإصلاح النظام وهزيمة الفساد. وخاطب الناخبين على موقعه الإلكتروني قائلا إن هدفه من الترشح هو جعل الناس في أوكرانيا أكثر سعادة.

ورغم أن زيلينسكي تعرّض لانتقادات بسبب برنامجه الغامض للحملة وأنه لم يشغل أي منصب عام، فقد بدا أن الناخبين تجاهلوا تلك المتطلبات، بل إن ذلك صبّ في صالح زيلينسكي بقدر ما تسبب في خسارة منافسه بوروشينكو.

استفاد زيلينسكي من استياء الرأي العام من الفساد المستشري والاقتصاد المحتضر ومعارك استمرت خمس سنوات ضد المتمردين المدعومين من روسيا في شرقي البلاد، مما جعل الناخب الأوكراني يتوق إلى التغيير، الأمر الذي دفعه إلى القول في المناظرة مع بترو بوروشينكو “نحن نتاج أخطائكم”.

وفي تلك المناظرة، أرسل زيلينسكي رسائل طمأنة للغرب، وتعهّد كما منافسه بوروشينكو بإبقاء أوكرانيا على المسار الغربي، لكنه قال إن على البلد أن ينضم إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) فقط إذا وافق الناخبون على ذلك في استفتاء.

وعود
وعقب ظهور بوادر فوزه الحاسم، تعهد زيلينسكي بإجراء تغييرات واسعة في أعلى المستويات في الحكومة، وقال إن أولى مهامه ستكون تأمين الإفراج عن حوالي 170 من أفراد الجيش الأوكراني الأسرى في الشرق أو في روسيا.
كما تعهّد بخوض مفاوضات مع روسيا لوضع حد للحرب التي دامت خمس سنوات مع الانفصاليين المدعومين من روسيا في الجزء الشرقي من البلاد، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 13 ألف شخص. وقال “سنشن حربا إعلامية قوية للغاية” من أجل وقف القتال.

تجاذب
أوكرانيا ليست كغيرها من الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي السابق، فهي بوابة الاتحاد الأوروبي، وهي ثاني أكبر دول أوروبا الشرقية. والاقتصاد الأوكراني هو الاقتصاد الثاني الأقوى بعد روسيا، وقد اعتمد الاتحاد السوفياتي السابق كثيرا على صادرات هذه الدولة ومنتجاتها في زيادة قوته الاقتصادية والمالية.

الموقع الجغرافي سيكون موضوع حلقة جديدة للصراع بين روسيا والغرب، وستشهد كييف مشهدا جديدا عنوانه الرئيسي الاستقطاب الحاد بين قبلتي أوكرانيا: موسكو وأوروبا.

والثابت أن أوكرانيا ما بعد هذه الانتخابات لن تكون أوكرانيا ما قبلها، حيث يدشن صعود زيلينسكي نقطة تحول عن المسار التقليدي للحياة السياسية في أوكرانيا، التي كان يديرها قدماء الساسة وكبار رجال الأعمال.

حدود الإلهام
يظل وصول ممثل أوكراني إلى منصب الرئاسة سابقة في تاريخ بلاده والمنطقة، لم يسبقه إليها إلا الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، الذي قدم من هوليود، قبل أن يدخل عالم السياسة ويتولى منصب حاكم ولاية كاليفورنيا لمدة عشر سنوات، دخل بعدها البيت الأبيض محققا فوزا تاريخيا ساحقا على منافسه الديمقراطي جيمي كارتر صاحب الباع الطويل في السياسة.

أمضى ريغان ولايتين رئاسيتين متتاليتين في البيت الأبيض في المدة من عام 1981 إلى عام 1989 في حقبة من أكثر مراحل العالم حساسية.

تجربة الممثل الرئيس ريغان لم تتكرر في تاريخ أميركا، ووقفت حتى الآن مع بطل أفلام الأكشن أرنولد شوارزنجر عند حدود منصب حاكم كاليفورنيا، لكن بتكرارها في أوكرانيا يجعلها قابلة للمزيد من التكرار في أكثر من دولة.

في المشهد الأوكراني يرى زيلينسكي فوزه “ملهما” وقابلا للتكرار، ويمكن أن يكون نموذجا للدول السوفياتية السابقة التي خاطبها قائلا “انظروا إلينا، كل شيء ممكن”.

الحالة الأوكرانية قد تلهم آخرين، ليس فقط في دول الاتحاد السوفياتي السابق، بل في دول كثيرة من العالم، خصوصا العالم الثالث، وقد تشمل إلى جانب نجوم السينما والتلفزيون أبطالا رياضيين، ويعزز ذلك فوز بطل الكريكيت السابق عمران خان برئاسة وزراء باكستان قبل ثمانية أشهر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى