الرئيسية / ثقافة و فن / الموضة.. العبودية المعاصرة

الموضة.. العبودية المعاصرة



طنجة أنتر:

نرى اليوم في الفضاءات العامة وفي شوارع المدن العربية شبابا يرتدون ملابس بألوان زاهية، ومن بينها الألوان التي يقال إنها مرتبطة بالأنوثة مثل الوردي والأحمر والبرتقالي وغيرها، كما يرتدي الشباب اليوم السراويل الضيقة والأقمشة الملونة والمزينة بالورود والنقوش، ويقتنون الأكسسوارات سواء القلائد أو الخواتم وغيرها، ويقبل عدد كبير منهم على قاعات التجميل ويصففون شعورهم أو يصبغونها، وكذلك يستعملون مستحضرات تجميلية للعناية بالبشرة. فكيف تشكل هذا العالم الغريب والساحر من التقليعات المتجددة وما الأسباب الحقيقية وراءه؟

أسبوع جديد للموضة وقرون من التقليد
“موسيقى مدوية، أضواء ساطعة، ملابس زاهية، موديلات رشيقة ووجوه براقة!”، أهلا بكم في عالم جديد من المسارح والمهرجانات والحفلات الصاخبة. عالم جديد كأنه مائدة شاسعة لعدد غير متناه من المأكولات الشهية، أما سكان هذا العالم فيهرعون خلف الروائح الزكية وقلوبهم شتى، كأنهم مسحورون، فاقدو القدرة تماما على التحكم في غرائزهم أمام هذا السيل العظيم من الغوايات المعروضة.

يقف هؤلاء البشر في حفلات الأزياء خلال أسبوع الموضة العالمي الذي يتابعه العالم بمزيد من الاهتمام كأنهم سكارى وما هم بسكارى، لا تتوقف أيديهم عن التصفيق، حيث تذهب “جنيفر بومغارتنر” وهي حاصلة على الدكتوراه في علم سيكولوجيا الأزياء، إلى أن أكبر ما يجذب هؤلاء الناس في حفلات موضة الأزياء هو ما تسميه “الاتجاهات”، فتقول إن “الدماغ يحب الاتجاهات لأنها سريعة الحدوث والتفاعل خلال وقت قصير، كأنه تغير شامل مفاجئ أو انفجار يجذب الانتباه بشكل عفوي.. وأدمغتنا تحب الأشياء الجديدة”.

نرى اليوم في الفضاءات العامة وفي شوارع المدن العربية شبابا يرتدون ملابس بألوان زاهية، ومن بينها الألوان التي يقال إنها مرتبطة بالأنوثة مثل الوردي والأحمر والبرتقالي وغيرها، كما يرتدي الشباب اليوم السراويل الضيقة والأقمشة الملونة والمزينة بالورود والنقوش، ويقتنون الأكسسوارات سواء القلائد أو الخواتم وغيرها، ويقبل عدد كبير منهم على قاعات التجميل ويصففون شعورهم أو يصبغونها، وكذلك يستعملون مستحضرات تجميلية للعناية بالبشرة. فكيف تشكل هذا العالم الغريب والساحر من التقليعات المتجددة وما الأسباب الحقيقية وراءه؟

 
مملكة فوق التاريخ
على عكس ما تذهب إليه بعض الآراء أن الموضة ظاهرة قديمة صاحبت جميع المجتمعات منذ الأزل، يؤكد “جيل ليبوفتسكي” أنه “طوال الجزء الأكبر من تاريخ الإنسانية، عاشت المجتمعات دون أن تعرف الألعاب المتقلبة للأهواء الطائشة، فمجتمعات الأسلاف قد فرضت قاعدة الثبات في كل مكان، وتكرارية النماذج الموروثة من الماضي والمحافظة المتزمتة في الكيفية التي يكون عليها الأفراد وكيف يكون مظهرهم”.5)

فالمجتمعات القديمة قامت على احترام الماضي الجماعي وإعادة إنتاجه بعناية، “فالمجتمع قديما لم يكن يسمح بتقديس الابتكارات ولا بالولع بالتفردات ولا الاستقلالية الجمالية للموضة”، ولم يكن يسمح بتدمير الأزياء التراثية والتقليدية للجماعة، لأنها ببساطة تعد تجريفا للهوية.

وظل الأمر كما هو حتى بعد ظهور الدولة والتقسيم الطبقي والتراتبيات الاجتماعية، “فقد ظل الكيمونو الياباني دون تغيير لقرون، وفي الصين بقي الزي النسائي على حاله بين القرن السابع عشر والتاسع عشر دون أي تغيير حقيقي”، لكن وجد التغير طريقه إلى المجتمعات مع ظهور الدولة الاستعمارية والغزوات، “فكانت تيارات الاستيراد والانتشار تزعزع من وقت لآخر الاستخدامات والأزياء، كما فرض الغزاة على الشعوب المهزومة أزياءهم الخاصة، فأصبح زي المغول هو القاعدة في بلاد الهند التي احتلوها”، لكن ظل الأمر خارج دائرة الموضة، فلم يتحول لذوق سائد أو شكل دائم من الابتكارات في الأزياء.

لكن الأمر سيختلف اعتبارا من منتصف القرن الرابع عشر داخل أوروبا، حيث سيظهر نمط جديد من الزي يفرض نفسه بشكل مفاجئ على الطبقة الأرستقراطية الثرية في أوروبا، فبدلا من الرداء الطويل الواسع الذي ارتداه الرجال والنساء لقرون عدة، ستظهر أزياء قصيرة ومعتدلة للرجال، وطويلة ضيقة للنساء، وسيكون الزي الذكوري مكونا من بزة قصيرة ضيقة تسمى “pourpoint” متصلة ببنطال مثل جوارب طويلة ضيقة ترسم تفاصيل السيقان، وكان الزي النسائي يعد امتدادا للزي الطويل التقليدي، لكنه أكثر اعتدالا وأكثر كشفا للصدر.

هكذا بدأت ظاهرة تغيير الأزياء والابتكار المتسارع فيها داخل الطبقات الأرستقراطية في أوروبا، حيث ستنزلق الأسر الثرية على منحدر التعديلات المتلاحقة على زينة الأزياء، وستنهمر شلالات من “أشياء صغيرة بلا معنى” ومن اختلافات بسيطة هي التي ستشكل الموضة بأكملها، وعلى أساسها سيتم تصنيف جديد لأعضاء تلك المملكة الوليدة، حين بدأت مع ظاهرة الموضة “السلطة الاجتماعية للعلامات التافهة، والوضعية المدهشة للتميز الاجتماعي القائم على الصيحات المتبعة”، فكل من يتبع صيحات التغيرات الدقيقة في الأزياء، يستحق شرف الانتماء لهذا المجتمع الوليد، أما الآخرون فيتم استبعادهم واحتكارهم بدعوى التخلف وعدم مواكبة الركب.

عن “الجزيرة.نت”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى