الرئيسية / نوافذ / القراصنة المغاربة جزء مثير ومنسي من تاريخ بلد محاط بالبحر

القراصنة المغاربة جزء مثير ومنسي من تاريخ بلد محاط بالبحر


أعادت العمليات المثيرة للقرصنة البحرية التي تعرفها المناطق الساحلية للصومال إلى الأذهان تاريخا مثيرا ومنسيا من حياة المغاربة حين كان الآلاف من سكانه يزاولون قرصنة تمتد على مسافات بحرية شاسعة واكتسب المغرب بفضلهم صيتا دوليا وهيبة بلا حدود.

إمارة القراصنة

ومنذ أن بدأت أخبار قراصنة الصومال تحتل الواجهة الإعلامية عالميا، فإن المغاربة، أو جزءا منهم على الأقل، تذكروا إمارة القراصنة التي نشأت عند مصب نهري أبي رقراق بين الرباط وسلا، والتي منحت المغرب هيبة دولية كبيرة وجعلت أقوى بلدان العالم تحاول أن تعقد معه اتفاقيات سلم أو صداقة، وأن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها كانت تؤدي جزية للقراصنة من أجل عدم التعرض لمراكبها.

ويقول حسن أميلي، الباحث في الشؤون الملاحية، إن أساطيل القرصنة منذ القرن الخامس عشر وحتى حدود القرن الثامن عشر، كانت بالنسبة للدول بمثابة قنابل ذرية، وأن كل البلدان كانت تحلم بالتوفر على أسطول قرصنة قوي في مواجهة الخصوم.

انتقام الأندلسيين

ومنذ أن بدأ طرد مئات الآلاف من الأندلسيين من شبه الجزيرة الإيبيرية بعد ملاحقات رهيبة من جانب محاكم التفتيش الكاثوليكية، فإنهم ركبوا البحر بمهارة كرة وكان حلمهم أن يكسبوا معاركهم على الأمواج بعد أن خسروها على الأرض، وكانوا ينطلقون في غزواتهم البحرية من نهر أبي رقراق ومن موانئ أخرى بشمال البلاد مثل تطوان وطنجة وأصيلة.

ويقدر مؤرخون عدد الأندلسيين الذين استقروا في المغرب بعد حملات طردهم بأنهم ما بين 500 ألف ومليون شخص، وأن عدد أحفادهم حاليا يقدرون بما بين 4 و5 ملايين موزعين على عدد من مدن ومناطق المغرب، بينما توزّع مئات الآلاف منهم في بلدان أخرى مثل الجزائر وتونس وليبيا ومصر وبلدان الشام وتركيا.

الجهاد البحري

وكان القراصنة المغاربة، الذين كانوا يطلقون على أنشطتهم اسم “الجهاد البحري”، بالنظر إلى مراميه المختلفة عن لصوصية البحر، استطاعوا الوصول إلى مناطق نائية من العالم وكسبوا حروبا على قدر كبير من الشراسة والقوة، وغنموا آلاف الأسرى من إسبانيا وهولندا وبريطانيا، إضافة إلى البلدان الإسكندنافية، وتوجهوا جنوبا نحو جزر الخالدات، كما وفروا لخزينة الدولة كميات هائلة من السيولة النقدية والذهب والفضة.

واستطاع القراصنة المغاربة، ، أسر عدد كبير من المراكب البرتغالية والإسبانية التي كانت محملة بثروات أمريكا اللاتينية، كما استطاعوا الإغارة على مدن إسبانية وبريطانية.

قراصنة نبلاء

ويصنف المؤرخون القراصنة المغاربة، الذي كانوا حالة عامة من آلاف القراصنة الأندلسيين ما بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، بأنهم مقاومون للهيمنة الأوروبية المسيحية، وأنهم أدوا دورا كبيرا في حماية المغرب من الاستعمار والنهب في وقت مبكر، بالنظر إلى أن بلدان أوروبا كان بإمكانها أن تحول المغرب وبلدان جنوب المتوسط إلى مستعمرات جديدة منذ وقت مبكر جدا.

ويصف باحثون ومؤرخون القراصنة المغاربة والأندلسيين بشكل عام بأنهم هم من منحوا الصورة الإنسانية للقراصنة النبلاء، حيث كانوا يضبطون تحركاتهم بكثير من الحدود الإنسانية والشرعية، وكانوا يستلهمون حماسهم من كثير من النصوص الدينية والأحاديث النبوية التي كانت تحث على الجهاد البحري وتعتبره ذا أجر مضاعف عن جهاد البر.

غير أن قراصنة المغرب بادوا بعد قرون طويلة من السيادة على بحار العالم، خصوصا بعد أن حولهم سلاطين وحكام جشعون إلى مجرد أجراء وعرضوهم للإهانة وسلبوا حقوقهم، وهو ما دفن أمجاد القراصنة المغاربة إلى الأبد تحت رمال مصب نهر أبي رقراق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى