الرئيسية / نوستالجيا / شخصية / العلامة سيدي أحمد الوسيني الساحلي

العلامة سيدي أحمد الوسيني الساحلي



عرفت مدينة طنجة في أوائل القرن الماضي كوكبة من العلماء الأفذاذ والمفكرين العظماء والشعراء المقاويل والخطباء المصاقع، مما جعلها قبلة لشداة العلم والأدب ورواد المعرفة ،وشكلت هذه الحركة العلمية قاعدة أساسية انبنت عليها اليقظة الفكرية والوطنية العلمية والأدبية  بهذه المدينة. ومن بين الذين ساهموا في إرساء دعائم هذه النهضة العلمية الفقيه العلامة المدرس سيدي احمد الوسيني الساحلي، واليكم نبذة موجزة من ترجمته:

هو الفقيه العلامة الأستاذ الموسوعي احمد بن العلامة الفقيه الخطيب العدل احمد بن القائد احمد بن منصور الوسيني الساحلي، وكان يدعى قيد حياته محمدا، وهو غلط ارتكبه بعض الكتبة ،والتحقيق ان اسمه الشخصي هو احمد .أما نسبته إلى بني واسين فلكون أجداده ينتمون إلى مدشر بني واسين التي تبعد عن طنجة  بنحو سبعة كيلومترات، وأما نسبته إلى الساحلي فلأن والدته السيدة خديجة بنت سلام الكتامي المغراوي كانت تقطن بمدشر تندافل الموجود بالساحل الشمالي، وهو مدشر يبعد عن أصيلة قليلا .والصواب الذي لا محيد عنه أن لقب آبائه وأجداده هو ابن منصور او المنصوري ،بهذا تعرف هذه الشجرة منذ أزمنة بعيدة ،وعائلة المنصوري معروفة بنسبها الشريف حيث تنتمي الى الامير سيدي عبد الله بن مولاي ادريس الأزهر.

نشأ فقيهنا بين ربوع مدشر تندافل مسقط رأسه في أحضان أسرة علمية قرآنية. كانت ولادته حوالي سنة 1901 ،وكانت لوالدته أمنية مكنونة في سويداء فؤادها ،وهي ان يكون أولادها علماء وحفظة لكتاب الله تعالى، فاستجاب الله تعالى دعاءها فرزقت اولادا يتلون كتابه ويفقهون دينه. كان الابن الاكبر محمد حافظا للقرآن فقيها لكنه مات في ريعان شبابه ،وكان شقيقه عبد السلام حافظا كذلك وتوفي شابا ،وكان شقيقه الاصغر مصطفى حافظا ضابطا لرسم القرآن مجودا مقرئا له إلمام بالفقه والانصاص القرآنية. هذه الاسرة  الربانية كان يرعاها اب عالم مرب وام ربانية محبة في العلم والعلماء تسترخص الغالي والنفيس من اجل تعليم أولادها العلم الشريف الذي يضمن لهم سعادة الدارين.

لا شك أن مترجمنا تأثر كثيرا بالأجواء الإيمانية التي كان يتنفس فيها ،مما جعله يستحث السير من اجل ان يكون نابغة من نوابغ العصر. وكان قد رأى رؤيا منامية وهو في مقتبل عمره زادت من إذكاء روحه المعنوية ، إذ رأى سربا عظيما من النحل يسبح في الفضاء مقبلا عليه ، ثم لم يلبث أن وقع على رأسه حتى غطاه كاملا، فعلم والده الذي عرف عنه انه كان ذا فراسة قوية أن ولده سيكون خزينة من خزائن العلم . وقد حكي لي أحد تلامذته وهو الفقيه محمد أخريف رحمة الله عليه أن مترجمنا اخبر تلامذته -وكان معهم -عن فراسة والده إذ قدم معه إلى المسجد العتيق بطنجة وهو الجامع الكبير حيث الكراسي العلمية نشيطة آنذاك، ثم التفت إلى مترجمنا وهو غلام فقال له : يا ولدي سيأتي يوم تقعد فيه على ذلك الكرسي لتعطي الدروس ، فهذا فهو مكانك ،ثم قفل به راجعا إلى الساحل ، وقد صدقت فراسة والده،وتحققت الرؤيا .ولما قوي عوده واصطلمت زناد فكره انتظم في حلقات العلم والمعرفة في ضواحي طنجة وأصيلة ،إلى أن حط عصا الترحال بخميس الساحل حيث وجد ضالته المنشودة في شخص العالم الرباني عبد الرحمان أخريف العلمي الساحلي الذي كان مدرسة علمية تجمع بين التعليم والتربية، وقد تخرج على يديه رجال عظام ،حيث درس عليه مترجمنا الفقه والحديث والسيرة واللغة العربية بفروعها المختلفة .ولم تأت سنة 1928 حتى كان قد اخذ من كل علم بنصيب وافر ، فأصبح فقيها عالما ضابطا لمسائل العلوم الشرعية واللغوية ، غير انه سرعان ما تحول إلى مدينة العلم فاس ليستزيد من المعارف ودقائق العلوم وعلو الأسانيد .وهكذا اخذ عن جماعة من علماء القرويين كعبد الرحمان بن القرشي وعبد الله الفضيلي وأبي الشتاء الصنهاجي وعبد الحي الكتاني وأبي شعيب الدكالي الذي لم يخف مترجمنا إعجابه الشديد بشخصيته العلمية ومنهاجه في الاستنباط والتلقين ، وقد تأثر به واقتفى طريقه واخذ منه سديد المذهب وقويمه ، متجنبا طريق الغلو والتشدد سالكا منهج الوسطية والاعتدال سليم الاعتقاد والطوية .واستغرقت مدة دراسته العليا بفاس أربع سنوات حيث عاد إلى موطنه في أواخر سنة 1933 ليتبوأ كرسي العلم بالجامع الكبير بطنجة وبالمدرسة الحرة التي تأسست على يد صديقه العلامة المرحوم عبد الله كنون الحسني وكذلك بالمعهد الديني ، وهكذا جمع بين التعليم الاختياري والتعليم النظامي مع القيام بمهمة الخطابة بمدشر العوامة وتقديم دروس في الوعظ والإرشاد ، وقد درس رحمه الله تعالى مختلف العلوم كمختصر الشيخ خليل ورسالة أبي زيد القيرواني وعلوم اللغة العربية والحديث النبوي والتفسير الذي كان أعجوبة فيه حيث كان يعرف بالمفسر.

ومن بين المهام التي تقلدها خطة العدالة ، كما كان مستشارا لدى المحكمة الشرعية وعمدة في الفتاوى والنوازل الفقهية .وظل في جهاده واجتهاده وقد شيد وطائد العلم والمعرفة إلى أن أقعده المرض في بيته ، وقد بسقت على يده أعلام من طنجة ومن باقي الجهات من أمثال العلماء السادة الآتية أسماؤهم محمد الشنتوف والحسن بن الصديق وعبد الله التليدي واحمد الوسيني ومحمد الريسوني ومحمد العمري ومحمد البقاش ونجله عبد السلام البقاش وأبو بكر اللمتوني وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد أخريف وعبد الصمد العشاب وعبد الصمد بنعجيبة ومحمد العيدوني وشقيقه احمد العبدوني واحمد بوكماخ وغيرهم كثير مما يضيق المجال بذكرهم، فقد درس مدة من نحو نصف قرن ناهيك عن دروس الوعظ والإرشاد التي كان يلقيها ،وقد أربى عمره على الثمانين. وعلى الرغم من مكثه في بيته بسبب المرض والكبر إلا انه كان مقصدا للعلماء والطلاب من شتى الأنحاء ،وقد عرضت عليه الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التدريس بشعبها في أثناء حجته إلا انه امتنع لكبره وعلته ،ولما عاد إلى موطنه أرسلت إليه رسالتين في الموضوع لكنه كان أدرى بنفسه وبظروفه ،واكتفى بالتوجيه والإرشاد وفتح مقفلات العلوم في بيته الذي غدا جامعة علمية ينهل منها شداة العلم ورواد المعرفة.

وتثمينا لجهوده العلمية ومسيرته الإصلاحية ،وشحه المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه بوسام التشريف والتقدير عرفانا بما قدمه للأجيال من جلائل الأعمال،وبما غرس فيهم من حب الدين والعلم والوطنية على السنة ووحدة الجماعة وعلى مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى،وبما اتصف به من حميد الشمائل ، وشرف النحيزة وكرم الخليقة.

توفي رحمه الله تعالى مساء الأربعاء سادس أكتوبر سنة 1999 وصلي عليه يوم الخميس بعد صلاة العصر ودفن بمقبرة مرشان ،وقبره يوجدعلى بعد خطوات يسيرة عن يمين الداخل إلى المقبرة .رحم الله الفقيد رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته وجازاه عما أبلى وقدم لهذه المدينة أحسن الجزاء ، وتحية خالصة للمجلس العلمي المحلي بطنجة الذي لا يألو جهدا في تكريم وتخليد رجالاتها الأفذاذ الذين نشروا ألوية العلم وبيارق الأدب والثقافة. فبارك الله في رئيسه ،وفي سائر أعضائه وأصلح على أيديهم العباد والبلاد،ورفع بهم مدماك العلم والحضارة الإسلامية.

بقلم ذ.محمد ساوير المنصوري  

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى