الرئيسية / أشياء.. و أشياء / الصيام.. كما يشرحه المسيحي لويجي فونتانا

الصيام.. كما يشرحه المسيحي لويجي فونتانا



في أوربا، والغرب عموما، موضة جديدة اسمها.. الصيام. الناس هناك لا يصومون ابتغاء وجه الله، بل ابتغاء صحتهم، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير.

في عدد من البلدان الغربية ظهرت مصحات خاصة تعالج مرضاها بكل غير مسبوق. فالناس، وهم ليسوا مرضى، يدخلون هذه المصحات من تلقاء أنفسهم، وفيها يخضعون لنظام غذائي صارم، هم يسمونه حمية، ونحن نسميه صياما. العلاج يستمر ما بين أسبوعين على الأقل، وشهرا على الأكثر، وبعد العلاج يخرج الناس من المصحات بجسد جديد.. وأيضا عقلية جديدة.

الأطباء المشرفون على هذا الصيام الاستشفائي متخصصون في التغذية الصحية، ويُخضعون “مرضاهم” لعملية غسل شاملة للجسد عبر صيام يشبه كثيرا الصيام الذي نمارسه نحن المسلمون، لكن يبدو أننا في حاجة ماسة إلى التعلم من صيام النصارى، لأننا تركنا الصيام الحقيقي خلف ظهورنا وحوّلنا شهر رمضان إلى شهر للأكل والافتراس.

عيادات الصيام في أوربا، التي يدخلها النصارى طائعين مختارين للامتناع عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الشمس على غروبها، تجعلنا نتذكر عددا من أبناء جلدتنا، الذين يخوضون حربا مقدسة من أجل السماح لهم بالإفطار العلني في رمضان. إنهم لم يكتفوا بالأكل في رمضان، وهذه حريتهم الخاصة التي لا يناقشهم فيها أحد، بل يريدون الوصول باستفزازهم إلى الشارع. لماذا يذهبون إلى أوربا ويحتجون على عيادات الصيام في الغرب؟ لكن الحقيقة أن مشكلتهم ليست مع الامتناع عن الأكل، بل يريدون استفزاز أي شيء متعلق بعقيدة المغاربة وثقافتهم وهويتهم.

لكن عيادات الصيام في الغرب لا تجعلنا نتذكر فقط هؤلاء الداعين للإفطار العلني، بل نتذكر أنفسنا أيضا، لأن الطريقة التي نصوم بها تجعلنا نبدو أسوأ من الداعين للإفطار العلني.

الصوم هو الامتناع النسبي عن الأكل خلال ثلاثين يوما من بين 365 هي كل أيام السنة، وهذه ليست حكمة دينية فقط، بل أيضا حكمة صحية عظيمة، لكن يبدو أن الحكمة الربانية لم ترقنا، فقررنا أن نحول رمضان من شهر الصيام إلى شهر إغراق البطن بكل أشكال الأكل، أي أنه عوض أن يكون هذا الشهر مناسبة للشفاء، فإنه يتحول إلى مناسبة لتجميع العلل.

اليوم توجد ثقافة عالمية جديدة اسمها الصيام، والأطباء والباحثون المتخصصون يقولون إن الصيام يلعب دورا كبيرا في الوقاية من أمراض قاتلة ويحمي الناس من أمراض كثيرة في شيخوختهم، والمجتمع الصائم يعيش به الناس طويلا مقارنة مع المجتمعات العادية.

أحد أبرز المختصين في الصيام باحث إيطالي اسمه لويجي فونتانا، ويمكن للناس أن يبحثوا عن نظرياته وأبحاثه في الأنترنيت عن فضائل الصيام. إنه من الباحثين الذين صارت نظرياتهم علما قائم الذات في القارات الخمس، بحيث أحدث ثورة حقيقية في عالم الاستشفاء حين اعتبر أن العالم يمكنه أن يتخلص من نصف أدويته ونصف أمراضه بعلاج بسيط، وهو الصيام.

لويجي فونتانا يقول إن الأدلة المثبتة لفوائد الصيام ليست وليدة اليوم، فمنذ الأزل تعلمت البشرية فوائد التقليل من الأكل، وفي سنة 1935 ظهرت دراسة جادة أثبتت أن التقليل من الكلوريات في الجسم بنسبة 30 أو 40 في المائة يزيد من معدل العمر، ومنذ ذلك الوقت ظهرت أبحاث كثيرة أخرى أثبتت أنه كلما تم التقليل من الكلوريات والبروتين والدهون في الجسم إلا وارتفع الأمل في الحياة لسنوات أطول.

اليوم ظهرت أبحاث جديدة أثبتت أن تخفيض البروتين والكلوريات في الجسم بنسبة 20 في المائة يؤدي إلى خفض مخاطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب والشرايين، وهي الأمراض المسؤولة عن أكبر نسبة من الوفيات في العالم.

الباحث الإيطالي لا يتردد في القول إن الصيام الكامل، ويمكن أن نعتبره مثل صيامنا نحن في الإسلام، يؤدي إلى تجنب نسبة كبيرة من أمراض السرطان، كما يؤدي إلى رفع معدل الأعمار، وقال بالحرف “إن الأشخاص الذين يصومون ليومين في الأسبوع طوال العام، يحصلون على نتائج صحية مذهلة”. وطبعا فإن الباحث الإيطالي قد لا يعرف أن كثيرا من المسلمين يصومون يومي الاثنين والخميس، لكن يمكن أن نفهم من كلامه أن الإسلام لم يحبّب للناس صوم يومين في الأسبوع من أجل التجويع أو العبادة فقط، بل هناك غايات صحية مذهلة من وراء ذلك.

وخلال حوار أجراه لويجي مونتانا مؤخرا مع عدد من كبريات الصحف الأوربية، قال إن كل أدوية العالم وكل أطباء الدنيا لا يستطيعون فعل ما يفعله الصيام، وأنه مهما كان الإنسان غنيا وبإمكانه صرف الملايين على سلامة جسده، فلا شيء يعادل الصيام.

قد يقول الكثيرون إنهم يعرفون هذا الكلام، وربما لأنهم يعرفونه فإنهم يحولون رمضان إلى شهر للانتفاخ والشره وزيادة الوزن. لكن يجب أن نكون صرحاء، فنحن لم تعد لنا ثقة في مبادئنا وقيمنا وشعائرنا، لذلك قد يكون مفيدا أن نسمع حكمة الصيام من باحث إيطالي مسيحي، فقد يعيدنا ذلك إلى رشدنا.. ولو قليلا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى