الرئيسية / رأي / الشأن الديني.. قضية ذو شجون

الشأن الديني.. قضية ذو شجون



الشأن الديني في المغرب موضوع لا يحتاج إلى مقال أو عمود، بل يحتاج إلى مجلدات، فهو قضية مصيرية بكل ما في الكلمة من معنى، لذلك سأقتصر على إيضاح وتبيان مجموعة من النقاط الرئيسية والهامة التي ينبغي أن نفتح عيوننا عليها جيدا، في محاولة لإيجاد الدواء.

الشأن الديني عندنا يشبه تلك البركة المائية التي طال بها الركود فتحولت إلى مستنقع، والمستنقع صار آسنا ينشر الروائح، والروائح تجلب الهوام والحشرات، والحشرات تنقل الأوبئة والأمراض من المستنقع إلى البشر.

لو شئنا أن نسترسل في وصف الشأن الديني عندنا فسنصفه بسيارة متوقفة عن العمل. ومع التوقف عن العمل والحركة صار محرك السيارة صدئا ولا يعمل، وهكذا صار من المستحيل تحريك السيارة، وهذا يعني أن السيارة ليس لها صاحب أو أن صاحبها، إن كان موجودا، فهو غير محتاج لها. وإن كان محتاجا لها فهو لا يجد من يصلح محركها لكي تتحرك، وفي هذا الدوامة ضاع الشأن الديني وضعنا معه.

إنها انتكاسة حقيقية تتطلب التحرك على الفور من أجل استدراك ما يمكن استدراكه، لأننا أنتجنا على مدى عقود أناسا مرتبطين بالشأن الديني وسميناهم فقهاء وأئمة، ونحن نعلم جيدا أننا ننافق أنفسنا، فما هم بفقهاء وما هم بأئمة، بل مجرد خردة دينية تضايقنا أحيانا فنصدرها إلى سوريا أو العراق وغيرها من مناطق النزاعات، أو نحاول اتقاء شرها في داخل بلدنا.

هكذا صار الشأن الديني عندنا مجرد بضاعة فاسدة، والناس الذين تخرجوا من مدارسنا ومعاهدنا الدينية هم أبعد الناس عن الدين الحقيقي، دين الإنسانية والرحمة والوسطية.. ودين الجرأة والشجاعة وعدم الخوف من لومة لائم في قول الحق والجهر به.

كل الأمم يحركها الإنسان، ومحرك الإنسان هو روحه، وإذا كانت تغذية روح الإنسان تتم بأطعمة فاسدة فلنقرأ عليها السلام. هكذا صارت أطعمة روح الإنسان في بلادنا هي خطب الجمعة أو دروس دينية هنا وهناك، وكثير من الذين يلقونها أشخاص عاشوا فترة دراستهم للدين في جو من الفقر والحرمان، وهناك من تعرضوا لمهانات معنوية وجسدية عميقة، فماذا يمكننا أن ننتظر من هؤلاء في مجال الدين؟ الأكيد هو أن النتائج ستكون عكسية تماما، لأنه، وحسب علم التسويق، لا يمكن لأحد أن يسوّق بضاعة لا يعرفها، وهذا بالضبط ما حدث لأئمة وفقهاء يسوّقون بضاعة الدين التي لا يعرفون عمقها وحقيقتها.

علينا أن نصارح أنفسنا بأن منابر الخطابة يعتليها أشخاص هم في أغلبيتهم الساحقة، أشخاص يمكن أن نطلق عليهم عبارة “من هب ودب”، ومنهم مراهقون في الدين أو مرضى نفسانيين، يفسرون الدين كيفما اتفق ويرمون الناس بخطب هي في المنزلة بين منزلتي الجهل والتلفيق، لذلك هجر كثير من الناس المساجد بمنابرها البليدة وصاروا يبحثون عن منابر بديلة.

في كثير من خطب الجمعة يربط “الإمام” خطبته بمشاعره الشخصية وغضبه الخاص، وفي النهاية يدعو للملك من فوق المنبر فيربط الناس غضب الخطيب بشخص الملك، وهذا شيء ينبغي الانتباه إليه بحذر شديد.

اليوم يبدو أن الوقت قد حان لكي نتدبر شأن الخطابة الدينية لكي نسلمها لأناس مختصين وواعين بشؤون الدين والدنيا. يجب أن نفتح المجال أمام خطباء يعرفون قيمة ومعنى التواصل ومشهود لهم بالكفاءة والمهنية.

لا يعقل أن ننزع نحو المهنية والاحترافية في أشياء كثيرة ونستثني منها الشأن الديني. عندنا مهرجانات وملتقيات، مثل مهرجان سينما مراكش ومهرجان “موازين”، وينظمها أناس محترفون لهم اختصاص في إنجاح مشاريع إعلامية وملتقيات سياحية وفلاحية وصناعية ضخمة، لكن لا أحد يهتم بوضع الشأن الديني في أيدي المهنيين والمحترفين مثلما هو الحال في المهرجانات والملتقيات الكبرى.

لو أننا فعلنا ذلك فسيكون ربحنا كبيرا، فلدينا مؤسسات دينية قائمة الذات مثل مؤسسة إمارة المؤمنين، لكن المسؤولين عن الشأن الديني، أو الشأن الإعلامي بشكل عام، لا يعطون لهذه المؤسسة حقها، ليس دينيا فحسب، بل من جميع نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لأنه يندر أن يتم في بلد ما إنجاز مشاريع ضخمة في فترة حكم قصيرة نسبيا مثلما حدث في عهد الملك محمد السادس.

القائمون على الشأن الديني يعتبرون الدين مجرد مسجد ومنبر وخطبة ولقاءات روتينية هنا وهناك، بينما أمير المؤمنين يقيم مشاريع صناعية ضخمة عبر الموانئ ومصانع السيارات والبنيات التحتية الكبرى، فأين هو، إذن، ربط إمارة المؤمنين بحال الإنسان عموما؟ هذا سؤال ينبغي أن يجيب عنه القيمون عن الشأن الديني في بلادنا.

عندنا كل التوابل والخضر لكي يكون طاجين حب الوطن والملك لذيذا ورائعا، لكن المشكلة أن الطباخ لا يتقن حتى غسل الأواني.. هذا هو حال المسؤولين عن الشأن الديني ببلادنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*



إلى الأعلى