الرئيسية / تربية و تعليم / السياسة الحمقاء لمؤسسة طنجة المتوسط: مدارس “آخر حلاوة”.. ومدارس بلا مراحيض

السياسة الحمقاء لمؤسسة طنجة المتوسط: مدارس “آخر حلاوة”.. ومدارس بلا مراحيض



طنجة أنتر:

من يراقب سلوك مؤسسة طنجة المتوسط “طيمسا”، وهي أشبه بحكومة خاصة مشرفة على كامل المنطقة المحيطة بالميناء المتوسطي، ولا يتحكم فيها حتى عامل إقليم فحص أنجرة أو الوزير، فسيصاب بالذهول من التناقض المذهل في سلوكات هذه المؤسسة تجاه مدارس المنطقة.

فالمدارس القريبة من الميناء تعاني من الخراب، وكثير منها بلا مراحيض، ولا أبواب ولا إنارة ولا مياه، وأقسامها تسرح فيها القطط والكلاب، بينما المدارس البعيدة، تحظى بعناية هذه المؤسسة وتصرف عليها لكي تحولها إلى نموذج للمدارس المتحضرة.

السبب واضح من كل هذا، فمؤسسة طنجة المتوسط تريد أن يفرغ المحيط المجاور لها من السكان، صغيرهم وكبيرهم، بل إنها عمدت إلى تجريف المقابر أيضا، وبها كثير من قبور المقاومين الذين حاربوا الاستعمار.

لنتأمل في نموذجين من تعامل مؤسسة “طيمسا” مع مدارس المنطقة. ففي النموذج الأول نقرأ خبرين بموقعين إلكترونيين عن مدرسة في منطقة تغرامت، ومدرسة في منطقة “الزرارع”، وهما بعيدتان نسبيا عن محيط الميناء المتوسطي، لذلك حظيتا بالدعم الكامل من مؤسسة طنجة المتوسط.

وفي النموذج الثاني، نقرأ تقريرين إخباريين عن حال مدرستين على بعد خطوات من الميناء المتوسطي، مدرسة الدالية، التي توجد على بعد كيلومتر واحد من الميناء، ومدرسة “الدشيشة” التي تبعد ثلاثة كيلومترات فقط عن الميناء.

لكن ينبغي الإشارة إلى أنه ليست كل المدارس البعيدة تحظى بعناية مؤسسة طنجة المتوسط، فهذه الاخيرة تفعل ذلك وفق مقاييس خاصة، فيها ما هو سياسي ومجاملاتي.. وأيضا لذر الرماد في العيون، بينما كل المدارس القريبة من الميناء تغرق في البؤس والقذارة.

لنتعرف على النموذجين حتى نفهم سر سلوك مؤسسة طنجة المتوسط، مع صور توضح الفارق.

النموذج الأول: المدارس التي تحظى بعطف ورضا مؤسسة طنجة المتوسط
1 مدرسة تغرامت (تبعد 20 كيلومترا عن الميناء)
بغية تتويجها بألوية خضراء من قبل مؤسسة محمد السادس للبيئة، قدمت مؤسسة طنجة المتوسط مساعدات لنحو ستة مؤسسات تعليمية بإقليم الفحص أنجرة من خلال تبني مبادرة تزيين وتشجير هذه المؤسسات وتحويلها لفضاءات خضراء.

المؤسسة وعبر المواكبة المستمرة منذ سنوات لهذه المؤسسات التعليمية، مكنت مدارس من توفير ظروف مناخ وفضاء إيكولوجي للتلاميذ وجمعيات آباء واوليائهم الذين استحسنوا هذه المبادرة الرامية للرفع من أهمية الحفاظ على البيئة والوعي بمدى تحسين جودة الفضاءات المدرسية.

مدرسة تغرامت باقليم الفحص انجرة نموذج مدرسة ايكولوجية يرفرف اللواء الاخضر داخلها منذ سنتين بفضل انخراطها في برنامج طنجة المتوسط، وتحولت الى لوحة خضراء نالت الاعجاب والاستحسان.

2 مدرسة الزرارع: تبعد 30 كيلومترا عن الميناء

تعتبر مجموعة مدارس الزرارع، نسبة إلى المدشر الذي تقع ضمن ترابه، من بين المؤسسات التعليمية التابعة للنيابة الإقليمية لعمالة فحص أنجرة، غير أنها وخلافا للعديد من هذه المؤسسات التي تنتشر على شكل مجموعة أو فرعيات في مساحات متفاوتة، استطاعت مجموعة مدارس الزرارع أن تتجاوز الكثير من التحديات التي يمكن أن تعترض أي مؤسسة واقعة في منطقة نائية.

وبخلاف الحالة المتردية للطريق المؤدية إلى مدشر الزرارع، المتفرعة عن الطريق الساحلية الرئيسية، يبدو فضاء المؤسسة الوحيدة التي كانت في البدء تابعة لمجموعة مدارس “حسانة”، في غاية الأناقة، مشهد يوحي لأول وهلة بان هناك مجهودات مهمة يتم بذلها من أجل العناية بهذا الفضاء التربوي، حتى ينسجم مع المعايير المتعارف عليها في العلوم النفسية والاجتماعية في مجال التربية.

ويقول الأستاذ بنعيسى الفردوسي، مدير مجموعة الزرارع، إن المؤسسة تعتبر من بين المؤسسات التعليمية القليلة التي تتوفر على نادي بيئي، فمعظم المؤسسات تقتصر على أنشطة تلاميذية نوادي البيئة، “بينما مؤسستنا تعتمد على نادي بيئي بيئي يضم التلاميذ والأساتذة على جانب الآباء والأمهات”.

النموذج الثاني: المدارس المغضوب عليها من طرف مؤسسة طنجة المتوسط
مدرسة الدالية (تبعد كيلومترا واحدا عن الميناء)
رغم وجودها بالقرب من إحدى أكبر المنشآت الاقتصادية المغربية، وأيضا رغم قربها الجغرافي من أوروبا، تعيش مدرسة “الدالية” الابتدائية بجماعة قصر المجاز الملاصقة لميناء طنجة المتوسطي، واقعا مريرا موصوما بضعف البنى التحتية وعدم توفر المياه، وهو الأمر الذي يستمر مع بداية الموسم الدراسي الجديد.

ولا تتوفر المدرسة التابعة لمجموعة مدارس الحومة على المياه الصالحة للشرب، كما أن مرافقها الصحية غير مزودة بالماء ما يجعلها دون فائدة، ووفق سكان المنطقة فإن الآباء بمن فيهم أولئك الذين انتزعت ملكية أراضيهم من أجل إقامة المشروع، إلى شراء هذه المادة حتى يستطيع أبناؤهم وخاصة الفتيات استعمال الحمامات، حيث تصل مساهماتهم إلى 150 درهما من أجل اقتناء طنين من المياه.

ويستغرب الآباء أن تكون هذه وضعية مدرسة تعتبر الأقرب إلى أوروبا حسب الإحداثيات الجغرافية، إذ تبعد بـ10 أميال بحرية تقريبا عن الضفة الأخرى، كما أنها إحدى أقرب المدارس للميناء المتوسطي الذي يحتفل بسنته العاشرة، حيث لا تبعد بأكثر من 3 دقائق عن مدخله الشرقي.

والمثير أن إدارة ميناء طنجة المتوسط تعلن كل عام عن قائمة بمصاريفها فيما يخص الأنشطة الترفيهية في الشواطئ المجاورة، حيث أعلنت قبل أسابيع أنها أنفقت مليون درهم (مائة مليون سنتيم) على أنشطة ترفيهية بشاطئ الدالية، بما في ذلك إقامة نشاط يسمى “ملكة جمال الأطفال”، وهي المسابقة التي أثارت استهجان الكثيرين، بمن فيهم الأجانب، بسبب الطريقة التي يتم بها عرض طفلات صغيرة بمساحيق وملابس بحر، وذلك بالتعاون مع جمعية محلية تدعى جمعية “الساحل”.

ويقول آباء وأولياء تلاميذ مدرسة الدالية إن طموحهم كان هو أن تستفيد هذه المدرسة بحكم موقعها من أحسن التجهيزات التكنولوجية في مجال التعليم، بل وعلى فضاءات تمكن من تحبيب المدرسة للطفل وتشجع الآباء على بعث أبنائهم للتعلم وخاصة الفتيات، لكن عوض ذلك ما زالت تصارع لضمان حد أدنى من البنى التحتية ومن أجل ربطها بشبكة المياه.

وما يثير الاستغراب أكثر بحسب الآباء، هو تغاضي الوصاية الوصية والمديرية الإقليمية للتربية الوطنية عن أمر أساسي كربط المدرس بالمياه، فيما تمت إعادة صباغة أسوارها وواجهتها، كما يستغربون عدم توفر التلاميذ على الماء فيما يسقى النخيل والنبات الذي يزين الميناء المتوسطي يوميا.

ويضيف الآباء أن المدرسة لم تستفد سوى من 5 ملايين سنتيم من إجمالي دعم قيمته ملياران و200 مليون سنتيم رصدته مؤسسة طنجة المتوسط للتنمية لإعادة تأهيل المدارس بإقليم الفحص أنجرة، وهو المبلغ الذي لا يقارن بما يصرف على الأنشطة الصيفية بالمنطقة، فيما لم تنل المدرسة حظها من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

ويطالب الآباء وزير التربية الوطنية محمد حصاد بزيارة هذه المؤسسة التعليمية التي يصفونها بـ”المنكوبة”، ليس فقط من أجل ربطها بشبكة المياه وهو ما يعد حقا طبيعيا للتلاميذ، ولكن أيضا لفحص ملفاتها وحساباتها والتحقق من صرف ميزانيتها ومحاسبة المتورطين في إهمالها.

يذكر أن وزير التعليم الحالي محمد حصاد شغل منصب المدير العام لمؤسسة “طيمسا” المشرفة على أنشطة الميناء المتوسطي، وهو ما يجعله على دراية تامة بهذا التناقض الصارخ بين الازدهار الذي يستمتع به الميناء، وبين البؤس الذي تغرق فيه مدارس المنطقة.

مدرسة الدشيشة: تبعد ثلاث كيلومترات فقط عن الميناء:
قرر آباء وأوليات تلاميذ مركزية مجموعة مدارس “الدشيشة”، الواقعة بالمجال الترابي لجماعة تغرامت (إقليم الفحص أنجرة)، منع أبنائهم من الالتحاق بأقسامهم الدراسية، احتجاجا على انعدام المرافق الصحية بالمؤسسة، وعدم تفاعل المسؤولين مع مراسلاتهم المتكررة بخصوص “الوضع الكارثي”، الذي أصبح يهدد سلامة أبنائهم الصحية والنفسية، ويساهم في انقطاعهم عن الدراسة، خصوصا في صفوف الفتيات.

واضطر الآباء لاتخاذ هذه الخطوة الاحتجاجية المفتوحة، بعد تنصل الجهات المعنية من التزاماتها التي قطعتها مع الآباء عند نهاية السنة الماضية، حين تعهدت ببناء المرافق الصحية وإيجاد حل جذري لكل المشاكل البنيوية والتربوية مع بداية السنة الدراسية الجديدة، إلا أنها لم تحرك ساكنا، وهو ما اعتبره السكان استهتارا بأبنائهم الذين يواجهون صعوبات في متابعة دراستهم وسط ظروف تحتم عليهم اللجوء إلى حواشي الأقسام والغابات المجاورة لقضاء حاجاتهم.
وذكر عدد من الآباء والأمهات ، أنهم ضاقوا ذرعا ولم يجدوا تفسيرا لانعدام المرافق الصحية بمدرسة مركزية تقع بتراب إحدى الجماعات الغنية بالإقليم، ولا تبعد عن ميناء “طنجة المتوسط” إلا بحوالي 3 كيلومترات، مؤكدين أنهم يفضلون عدم التحاق أبنائهم بالدراسة على أن يجبروا على التبرز أو التبول في “مرحاض” مفتوح في الهواء الطلق أو أن تتحول ملابسهم إلى “كابنات” بديلة، مبرزين أن غياب المرافق الصحية بالمؤسسة مشكل مطروح ليس فقط أمام التلاميذ، بل كذلك أمام الأستاذات، اللائي يتعرضن للتحرش والاعتداء وهن بصدد قضاء حاجتهن في العراء.

وقال أحدهم ، إن “مدرسة “الدشيشة”، ومنذ إحداثها في 1982، ما زالت تتخبط وسط عدة مشاكل ومعوقات تحول دون تحقيق مردودية التمدرس المرجوة، إذ بالإضافة إلى انعدام المرافق الصحية، نجد أن وضعية الحجرات الدراسية لا تتلاءم مع مناخ المنطقة، حيث يضطر المدرسون في كثير من الأحيان لاستعمال وسائل شخصية لوقاية أنفسهم وتلامذتهم من شدة الأمطار وخطر التيارات الهوائية التي تخرق الحجرات الدراسية، رغم أن هذه المنطقة عرفت خلال السنوات الأخيرة إقلاعا اقتصاديا مهما بسبب المشاريع الضخمة الموازاة مع إحداث المركب المينائي “طنجة المتوسط”.

من جهة أخرى، ذكر فاعلون تربويون بالإقليم، أن أوضاع التعليم بنيابة فحص أنجرة مازالت بعيدة كل البعد عن واقع الخطابات الرسمية، لأن المشاكل الحقيقية لا تكمن في تسييج المؤسسات أو صباغتها، بل هناك إكراهات جد عميقة لها علاقة بجغرافية الإقليم وبعد المراكز السكنية عن الوحدات المدرسية، بالإضافة إلى قلة وسائل النقل التي تلزم المدرسين على قطع الكيلومترات مشيا في فصل الشتاء وأثناء الأيام الممطرة للوصول إلى مقر عملهم، ناهيك عن افتقار كل المدارس إلى سكن وظيفي يضمن الاستقرار وتأدية الواجب في ظروف ملائمة.

وتحدثت المصادر نفسها عن استمرار ظاهرة الأقسام المشتركة أو الأقسام المتعددة المستويات، موضحين أن هذه العملية الترقيعية تطبق بالإقليم بطريقة أكثر فظاعة، وذلك نتيجة حتمية للخصاص المهول في الموارد البشرية وشح التعيينات الجديدة، مشددين على ضرورة إعادة النظر في تعيين النساء بالمناطق الجبلية الوعرة والمهمشة، بعد أن أصبحن عرضة لجرائم التحرش والاعتداء، نتيجة إقامتهن بسكنيات غالبا ما توجد بعيدة عن أي تجمع سكني يحقق الحد الأدنى المطلوب من الأمن والاطمئنان، أو بعدهن عن الوحدات المدرسية ولجوئهن إلى النقل السري الذي يشكل خطورة على حياتهن.

وقالت أستاذة فضلت عدم الإفصاح عن هويتها، إن “عددا كبيرا من نساء التعليم أصبحن مستهدفات بجرائم الاعتداء في أي لحظة، ما اضطر أمهات كثير منهن إلى اصطحابهن والعيش معهن في تلك المناطق النائية للتخفيف عنهن من حالة الرعب النفسي، حيث يجبرن على التعايش بين ضغط القيام بواجب محفوف بالمخاطر، وعجز الجهات المعنية عن توفير الأمن لها شرطا أساسيا للاستقرار”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى