الرئيسية / مجتمع / الزمن الجميل في طنجة: في رثاء باسْطيلي الحلْوي بالحوْمة دبْرجيكا

الزمن الجميل في طنجة: في رثاء باسْطيلي الحلْوي بالحوْمة دبْرجيكا



سميرة مغداد، مديرة مجلة “سيدتي” بالمغرب،

أعادتني وفاة الحلوي للكتابة عن طنجة.. الموت نهاية، ليست حتما نهاية سعيدة لكنها حتمية لكل الأشخاص والبشر، لكن البشر مختلفون في الأثر، وهناك من يموت بلا أثر وهناك من يخلد في القلب والعقل.. ليس بالضرورة أن يكون مشهورا أو بطلا خارقا..

الحلوي هو حلواني حومة بلجيكا، أو الحومة دْبرجيكا بالتعبير الطنجاوي، هي الحومة التي قطناها في الثمانينات، ولعلني لم أحفظ عنوانا لبيت مثلما حفظت ذاك العنوان الخالد.

لا أعرف اسما للحلوي غير هذا اللقب الشهير به حتى اسمه الشخصي لم يكن يناديه به أحد. هو الحلوي فقط رغم أن لقبه الحقيقي هو العلمي، التصق اسمه بمهنته في إعداد الحلوى أو الباسطيلي بلغة طنجة، وكان هو الممون الرئيسي لأصحاب طاولات الباسطيلي التي كانت تباع أمام أبواب سينما الريف وباريس وكازار وكابيتول..

خبر وفاته أعاد لذهني صورا جميلة عن الرجل الذي لم يكن يبخل علينا بالحلوى ومشتقاتها. كان يوزع علينا باستمرار “الميرينغي” بلون وردي ويطلب منا إحضار زلافة ليملأها لنا بهذا الخليط العجيب من كريم البيض المخفوق الملون.. كما كان سخيا في ما تبقى له من العجين المورق المغرمل الذي كان يفرقه على أطفال الحومة.

كان الحلوي رجلا بشوشا وعاملا نشيطا بمحل صغير بفرن تقليدي لتحضير الحلوى وتجهيزها كل مساء بعد أن يأتي باعة بسطاء لأخذها في طاولات صغيرة لبيعها في مختلف شوارع طنجة، خاصة قرب دور السينما. أذكر لليوم مذاق الحلوى بالكريم وحلوى “الكوكو” البيضاء وقطع حلوى رطبة مدورة لذيذة مزينة بالكوكو.

كنا نراقب عمله اليومي من بعيد من شرفة المنزل، كان بارعا في تحضير عجينة “الكيك جينواز” التي يخرجها على ورق أبيض شفاف ويقطعها أشكالا مختلفة لتكون أساس حلوياته المتعددة التي كانت تباع بدرهم أو أقل. كانت رائحة الحلويات ودفء تعامل الرجل يجعلان لفضاء الحومة حميمية وخصوصية.

كما أن الرجل كان خدوما ومتطوعا لمساعدة الجميع، وأذكر جيدا تطوعه باستمرار لذبح الدجاج البلدي الذي كان أهل الحومة حريصون على تحضيره في عدد من المناسبات والأعياد الدينية المختلفة، خاصة العيد الصغير وعيد المولد النبوي الشريف.

أقفل الحانوت فيما بعد حينما قرر الحلوي الهجرة إلى أوروبا مع أولاده وأخذ قسط من الراحة من تعب الفرن، وكنا نحن أيضا غيرنا الحي، ولعل نكهة الفضاء تغيرت بعد أن اختفى دفء الفرن والرائحة الزكية للحلوى التي كانت تنضج داخل الفرن.

رحمة الله على الحلوي، الرجل البسيط الطيب الذي ترك وراءه ماضيا حلوا يتذكره به أبناء حومة دْبرجيكا. قليل هم من يستطيع اليوم أن يتشارك مع الناس ما يملك. ومؤخرا جلت بحي الملاح الشعبي بالرباط، الذي يعاد ترميمه وبدت لي حوانيت هنا وهناك لبيع بعض العجائن، وأطفال صغار يحومون حولها وقلت مع نفسي “لعل رجال ونساء هنا مازالوا يُفرحون الأطفال ويتقاسمون معهم ما قد يستفز شهيتهم.

ثقافة التقاسم تعزز إنسانيتنا. وبالمناسبة أترحم على جارنا نزيه، بالطابق السفلي من بيتنا، الذي كان كلما صعد دخان شوائه من المطبخ يكون لنا نصيب منه لأنه يرى أنه واجب الجار على الجار، خاصة الأطفال.

وكذلك كانت تفعل عديد من الجدات والأمهات حينما نزور بيوتهن ونشم رائحة طيبة لأكلة ما أو “كيكة” تطبخ وترسل إشارات برائحة زكية تعبق المكان. كنا يؤمن أنهن سيذنبن في حقنا أمام الله إن لم نتذوق من الأكلة.

أين نحن من تلك الأيام الحلوة؟ أيام شعارها التشارك والمحبة.

رحم الله كل من تقاسم ما يملك ماديا ومعنويا مع الآخرين واستطاع أن يسجل لحظة فرح وسرور تنعش الذاكرة وتشعرنا أن العالم ما يزال بخير.

تلك أيام أناس انتصروا لإنسانيتهم أولا فخلدوا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تعليق واحد

  1. التدلاوي عبدالعالي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اعجبتني مقالتك في رثاء جارنا الكريم رحمه الله واسكنه فسيح جناته مول الباسطيلي وما أثارني حقا هو ارتباطك العضوي بمشاعرك العميقة التي صاغت فطرة طفولة لا تزال تحمل الحنين والشوق الى الماضي الجميل كما قلت .
    حقا كان زمنا استثنائيا بمفرداته وأحداثه وجماله ..لكنه لم يتغير إنما الذي تغير هو نحن الذين نتفاعل مع الزمن سلبا او إيجابا ..
    ولو كتب لك ان تزور حومة بلجيكا او ابن خلدون ستشعرين بان المكان لم يتغير كثيرا وانه على الرغم من مغادرة بعض رجالات الحي اما بانقضاء نحبهم او هجرته لظروف معينة فلا يزال الحي عامرا بساكنته الأصيلة والأعياد والمناسبات لا تزال سبب من أسباب زيارةًالرحمً واللقاء لانعاش الحنين وتخصيب الذاكرة.
    مودتي
    ع. التدلاوي

إلى الأعلى