الرئيسية / أشياء.. و أشياء / الدرس الصومالي..!

الدرس الصومالي..!



الصومال دولة عربية، وحتى إن لم تكن في العمق كذلك فإنها انضمت إلى جامعة الدول العربية وصارت عربية، ومع ذلك فإن كثيرين لا ينتبهون إلى أن هذا البلد كان البداية، بداية الفوضى التي يغرق فيها العالم العربي، وسيظل غارقا فيها لزمن طويل.

في سنة 1991 سقط نظام الرئيس الصومالي سياد بري ودخلت البلاد في حرب أهلية ثم في فوضى لم تخرج منها إلى حد الآن.

الصومال كان جرس الإنذار الأول، لكن لا أحد أخذ منه العبرة. فعندما سقط نظام بري لم يكن هناك بديل شعبي أو حزبي لنظامه، أي أن ما حدث في الصومال قبل ربع قرن هو نفسه ما حدث ويحدث في بلدان عربية بعد ما سمي “الربيع العربي”، حيث انتفضت الشعوب وغاب البديل، فعادت نفس الأنظمة المطاح بها إلى سدة الحكم، أو دخلت هذه البلدان في نفق لا يبدو في نهايته أي بصيص ضوء.

الصومال كان، أيضاً، درسا في كيفية تعامل الغرب مع البلدان العربية. فعندما سقط نظام الدكتاتور بري بدأ الغرب في تزويد الفصائل المتقاتلة بمختلف أنواع الأسلحة، وتم تقسيم البلاد إلى أطراف متنافرة وكل “أمير” يحكم منطقته الخاصة.

بعد ذلك أصبحت الصومال مزبلة حقيقية للنفايات النووية، فصارت السفن الغربية العملاقة تأتي حتى شواطئ الصومال العريضة وتلقي فيها بكميات هائلة من النفايات السامة التي تقتل كل شيء، فوجد الصوماليون، الذين كانوا يقتاتون من البحر، أنفسهم يعانون من الجوع بعد أن كانوا يعانون من الخراب وعدم الاستقرار، وأصيب مواليد صوماليون كثيرون بتشوهات خلقية غريبة لأن الأمهات الحوامل تناولن سمكا ملوثا بالنفايات، ومرت سنوات طويلة قبل أن يكتشف الناس ذلك، فبدأ الصيادون الصوماليون حملات لطرد السفن التي ترمي النفايات السامة في بحارهم، لكن تلك الحملات المشروعة للدفاع عن النفس تحولت إلى وسيلة للاغتناء السريع عن طريق عمليات قرصنة تشبه تجارة الحشيش، وظهر بارونات القرصنة كما لو أنهم بارونات الكوكايين، ودخلت أموال هائلة للبلاد وابتلى الكثير من الشباب بإدمان الكحول والمخدرات. هكذا لا شيء استقر في الصومال منذ ربع قرن.

بعد حوالي عشر سنوات من سقوط الصومال في الفوضى غزت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العراق وضربا بكل القوانين الدولية عرض الحائط، والهدف كان إسقاط الدكتاتور صدام حسين، ومنذ ذلك الوقت لم تقم للعراق قائمة، بل إنه كان بمثابة عود الثقاب الأول الذي لا يزال يحرق كل المنطقة.

وكما حدث في الصومال قبل عشر سنوات من ذلك، فإن العراق صار بدوره دولة طوائف وإمارات متنافرة، وتعرضت ثروته البترولية للنهب من جانب الغرب، وعوض أن يسعد العراقيون برحيل حاكم مثل صدام، فإنهم صاروا يتوقون لو أنه ينهض من القبر ويحكمهم من جديد.

بعد حوالي عشر سنوات من سقوط العراق في فوضاها الأبدية، قلبوا عربة البوعزيزي في تونس فانقلب العالم العربي رأسا على عقب، وهذا شيء لم تكن تتوقعه أمريكا ولا كل البلدان الغربية، واعتقد الجميع أن البلدان العربية مشرفة على ربيع حقيقي، قبل أن تيبس بذور أزهار الربيع وهي لا تزال في بطن التربة ويتحول الربيع إلى يباب.

في بلدان “الربيع العربي” حدث نفس ما وقع في الصومال والعراق. يهرب الدكتاتور فتدخل البلاد في الفوضى مباشرة، فيكون الغرب جاهزا لتقديم البديل، والبديل هو زرع المزيد من الفوضى وإغراق البلاد بالأسلحة ونهب الثروات وزرع بذور التقسيم.

منذ سقوط الصومال قبل ربع قرن، وصولا إلى آخر العنقود سوريا، كل البلدان التي سقطت أنظمتها، أو كادت، تعرضت للتقسيم أو ستتعرض له. في الصومال صار التقسيم واقعا وتحولت البلاد إلى فدرالية وهمية. وفي العراق رفعت كل منطقة أعلامها الخاصة، وهي رايات طائفية أكثر منها أعلام سياسية. وفي اليمن عادت مصطلحات اليمن الشمالي واليمن الجنوبي إلى التداول، وأصبحت عدن وصنعاء عدوتين بعدما كانتا مدينتين من بلد واحد. وفي ليبيا بدأ الحديث عن التقسيم حتى قبل سقوط معمر القذافي حين دار الحديث عن ليبيا الشرقية عاصمتها بنغازي يحكمها “الثوار”، وليبيا الغربية عاصمتها طرابلس تبقى في يد نظام القذافي. وها نحن نتأمل سوريا المرشحة للتقسيم كبرتقالة ناضجة، إلى درجة أن الغرب، ومعه أتباعه العرب، يبدون مستعدين لبقاء بشار الأسد رئيساً، لكن ليس على سوريا، بل على إمارته الخاصة بطائفة العلويين غرب البلاد.

إنها الفوضى، الفوضى الخلاقة للغرب لأنها تخدم كل أهدافه التي يحلم بها دائماً، وفوضى مدمرة للعرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى