الرئيسية / اقتصاد / الحدود المغربية الجزائرية: من مخاطر التهريب إلى ازدهار الفلاحة

الحدود المغربية الجزائرية: من مخاطر التهريب إلى ازدهار الفلاحة



طنجة أنتر:
إلى وقت قريب لم يكن رابح -وهو شاب في عقده الثالث- يعتقد أن مصير نشاط التهريب الذي مارسه لأكثر من عقد من الزمن عبر الحدود المغربية الجزائرية، هو الزوال.

كان يتصور أن تستمر الطفرة التي عرفها هذا النشاط منذ سنة 2002، لكن الإجراءات الأمنية التي اتخذها البلدان على طرفي الحدود في السنتين الماضيتين عجّلت بجفاف منابعه، مما خلف وراءه آلافا ينتظرون البديل.

لا توجد أرقام رسمية دقيقة بشأن عدد زملاء رابح في ممارسة هذا النشاط، لكن في المقابل سبق لمرصد التهريب بغرفة التجارة والصناعة -في بداية الطفرة- أن أكد في دراسة له أن هناك أكثر من أربعمئة بضاعة تهرب إلى المغرب، من ضمنها البنزين، تفوّت على الاقتصاد الجهوي (جهة الشرق) ستة مليارات درهم سنويا (نحو650 مليون دولار)، وهو ما يعادل بحسب المندوبية السامية للتخطيط (حكومية) رقم معاملات 1200 شركة متوسطة وصغيرة، ويعني أيضا -وفق لغة الأرقام- حرمان الاقتصاد الجهوي من 32 ألفا وأربعمئة منصب شغل (بمعدل 27 مستخدم في كل شركة).

سياج وخندق
في منطقة أهل أنجاد شرقي المغرب على الحدود مع الجزائر، يمكن ملاحظة التجهيزات الهندسية الجديدة التي شيدتها السلطات المغربية والجزائرية. فزيادة على السياج الحديدي الذي شيده المغرب على مسافة 110 كلم، والخنادق التي شيدتها الجزائر؛ كثف الطرفان من المراقبة على طول الشريط الحدودي من خلال زيارة عدد نقاط المراقبة.

ولم يكن من الهيّن على العاملين في مجال التهريب تقبل هذه الإجراءات الجديدة على الحدود، خاصة وأنهم علموا عند مباشرتها علم اليقين أنها ستجهز على مصدر دخلهم، وهو ما دفعهم أكثر من مرة إلى الاحتجاج على هذه الإجراءات، لكن ذلك لم يغير من الوضع في الأرض، حتى أحكمت السلطات القبضة على الحدود، ولم يعد هناك اليوم تهريب يستوعب كل العاملين فنادى بعضهم بإيجاد بديل يغنيهم عن تكبد الصعاب والمخاطر على الحدود.

ويقول رئيس جمعية العجرة للتضامن والتنمية القروية الزبير مرزاق -للجزيرة نت- إن الدولة بذلت مجهودا على مستوى فتح الطرق لكن الأمر يحتاج إلى مجهود إضافي من مجلس جهة الشرق (هيئة منتخبة) الذي يشرف على فتح الطرق والمسالك، لمواكبة الاستثمارات الفلاحية في المنطقة

.البديل فلاحي
ولمواجهة آثار إغلاق الحدود في وجه حركة التهريب، فكرت الدولة في القطاع الزراعي، لكنها قبل ذلك وضعت خطة لفتح شبكة من الطرقات الريفية بالشريط الحدودي، لتسهيل عملية التنقل.

وفي منطقة أهل أنجاد وحدها، خصصت وزارة الفلاحة المغربية دعما للمزارعين لغرس 1400 هكتار بالأشجار المثمرة وبالتحديد أشجار اللوز والزيتون، بالإضافة إلى ثلاثمئة هكتار أخرى يدعم الاستثمار فيها مجلس جهة الشرق.

ويؤكد الزبير -الذي وقعت جمعيته اتفاقية عمل مع وزارة الفلاحة لدعم القطاع الزراعي في المناطق الحدودية- أن الدعم يكاد يكون 100%، ولا يتوقف فقط عند توفير الشتلات والمغروسات، بل يتعدى ذلك إلى تهيئة الأرض وضمان التزود بماء الري عبر حفر الآبار والمساعدة في اقتناء المعدات الفلاحية، كل ذلك في إطار المخطط الأخضر الذي وضعته وزارة الفلاحة لتنمية القطاع الزراعي بشكل عام.

إقبال ودعم
وبعد الإقبال الذي لقيه مشروع غرس الأشجار المثمرة، لجأت الدولة إلى دعم المزارعين الآخرين الذين يرغبون في استصلاح الأراضي.

وتجري هذه الأيام عملية استصلاح أربعمئة هكتار جديدة لتصبح صالحة للزراعة. ولأن المنطقة تعرف خصاصا في المياه قد يتفاقم مع الاستثمارات الزراعية الجديدة، لجأت الدولة إلى إعادة استعمال المياه المعالجة في محطة المعالجة الخاصة بمدينة وجدة (كبرى مدن جهة الشرق)، بكلفة مالية قدرها 125 مليون درهم (حوالي 14 مليون دولار).

ومن المتوقع، أن يساهم الري بالمياه المعالجة في سقي 1500 هكتار من الأراضي الزراعية، ليرفع مردودية الإنتاج الزراعي السنوي.

العودة للأصل
وقبل عقود لم تكن المنطقة تعتمد في نشاطها الاقتصادي على التهريب، بل الأصل كان هو النشاط الزراعي.

هذه القناعة يتشاركها العديد من المتابعين للوضع، منهم رئيس مجلس جهة الشرق عبد النبي بعيوي الذي أكد أن التحول الحاصل اليوم في الحدود ليس بديلا لنشاط التهريب، بقدر ما هو عودة إلى الأصل، فقبل عدة عقود كان النشاط الزراعي مزدهرا بشكل كبير في هذه المنطقة، وبالخصوص تربية الأبقار وإنتاج الحليب.

ويسود اعتقاد كبير لدى المسؤولين اليوم، أن نشاط التهريب لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال نشاطا يمكن الاعتماد عليه، خاصة أمام استمرار التشنج في العلاقات بين البلدين المغرب والجزائر.

ويرى بعيوي أن الدعم الذي توفره الدولة، وضمنه الدعم الذي يوفره مجلس الجهة للتعاونيات الزراعية التي تستثمر في المغروسات وزراعة الخضروات؛ يمكن في سنة أو سنتين فقط أن يحدث فرقا كبيرا ويعيد النشاط الفلاحي في المناطق الحدودية إلى عصره الذهبي.

المصدر : الجزيرة 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى