الرئيسية / رأي / التلميذ متهم إلى أن تثبت براءَتُهُ !

التلميذ متهم إلى أن تثبت براءَتُهُ !



يكثر اللغط في هذه الفترة الحرجة من الموسم الدراسي ، فلا حديث إلا عن حجم الاستعدادات والترتيبات لخوض غمار الاختبارات الجهوية والوطنية، سواء من طرف التلاميذ أو من طرف أولياء أمورهم ، فالكل يستعد على شاكلته.
بالنسبة لبعض التلاميذ، هناك من ينهك نفسه من أجل التحصيل العلمي وشحن الذاكرة، وهناك من يختزل طاقته ويحافظ على نفسيته هادئة، وذلك بإعداد وصفات ناجعة تقيه حرج السؤال أيام الاختبارات ، حيث تبرز إلى السطح آخر صيحات في عالم الغش ، فمنهم من يحبذ الطرق التقليدية كإعداد المطويات أو ما يسطلح عليه “بٍالْحْرُوزَة “ وما شابه ذلك ، وهناك من أصبح خبيرا في المعلوميات والتكنولوجيا الحديثة لإيصال المعلومة إلى الأذن، أو تلتصق بالعين المجردة بطرق تجعل شيخ الجن نفسه في حيرة من أمره ،أما من جهة الآباء فهم جنود مجندون وراء أبنائهم،لا يبخلون عليهم بالدعاء، وبالدعم النفسي والمادي، الذي نقصد به هنا توفير حصص الدعم التربوي لهم في كل المواد تقريبا ، لعل الله يحدث أمرا.
وأمام هول هذا الحدث المتمثل في الامتحان الموحد ، ترفع شعارات تندد بتجريم ومعاقبة كل من سولت له نفسه اختلاس المعلومة من خارج أسوار المؤسسة التعليمية أو من داخلها ، كما رفعت شعارات أخرى حاولت أن تجعل من المؤسسة ومحيطها، بمثابة ثكنة عسكرية تراقب عن كتب الداخل والخارج منها، كأنها الحدود الجغرافية، والقيام بتفتيش التلاميذ تفتيشا دقيقا، كأن بحوزتهم أحزمة ناسفة ومتفجرات ،فتطالهمالمطاردات والمتابعات شبيهة بتفكيك خلايا إرهابية ،فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ،في ظل وجود مثل هذه الصور والدعوات التي تسيء إلى المدرسة المغربية والتلميذ المغربي ،لماذا تم استهداف التلميذ و بالمقابل العفو عن المنظرين التربويين والمناهج التربوية التي اهتمت بالكم أكثر من الكيف؟ وفي نفس الوقت لماذا يتم الاستخفاف بالعقول برزمة من إصلاحات تهم الشأن التربوي، لا تسمن ولا تغني من جوع، والتي دنست بصراعات حزبية وسياسية ، فالغش أصبح موروثا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا وإداريا ، لا أحد منا ينكر أن الغش تغلغل داخل النسيج المجتمعي، فماذا نقول عن الذي يلتحق بمقر عمله متؤخرا ،أو تاركا سترته على كرسيه متظاهرا بالحضور، معرقلا بذلك مصالح المواطنين ومجهزا على نفسيتهم و ضاغطا على أعصابهم ،أليس هذا بغشاش حين يسترق من أوقات عمله ؟ وماذا نقول كذلك عن المربي الذي يهوى المرض أو يتمارض لشهور عديدة، تاركا فلذات أكبادنامنغمسين في الجهل والأمية ، مع العلم أنه – المربي – لا يفتر عن تقديم ساعات إضافية خارج أوقات عمله، متجاهلا مرضه الوهمي الذي دونه في الشواهد الطبيةوفي الوقت نفسه يحرص على دخول الأجرة الشهرية في وقتها المحدد و لا يعتريها النقص، أليس هذا الصنف من المربين بغشاش ؟ ناهيك عن الغش العلني الذي يبرز في الأسواق التجارية، وخصوصا في السلع والمكاييل ، أما عن الغش السياسي و المرتبط بالوصول إلى أعلى المناصب، سواء كانت حكومية أو غير حكومية، فالغاية تبرر الوسيلة ،“و يكفي أن يكون بَاكْ صَحْبِِي “، فعوض أن نصب جَامَّ غضبنا و نظهر فحولتنا على التلميذ البسيط المتهالك اجتماعيا ونفسيا ، علينا أن نتشبع بحس وطني وأخلاقي وديني، لنصحح مسارنا المهني والاجتماعي، وننتقد سلوكياتنا حتى لا نبقى حبيسي“ الأنا المتعالية “ التي لا ترضخ ولا تعترف بالمساواة أمام القانون ، ولا بتكافؤ الفرص، بل على النقيض من ذلك تحضر الزبونيةوالمحسوبية في أبهى تجلياتها في كل القطاعات والمؤسسات ، إلا من رحم ربي ، إذن قبل أن ننال من التلميذ ونطلق عليه نعوتا غير تربوية، كالمجرم مثلا أو الغشاش ،نتمنى أن تنصهر كل القطاعات والإصلاحات والمجهودات في قالب واحد للحد من هذه الظاهرة ، وأن تتحمل الوزارة الوصية على قطاع التربية والتعليم مسؤوليتها في إعداد برامج ومناهج تربوية تحفيزية، تجعل المتعلم يهتم بالنوع وبالكيف أكثر من الكم ، وأن تساهم في تأطير وتكوين أطر تربوية مسؤولة قادرة على تمثيل و تنزيل الرؤى التربوية على أرض الواقع ، كما يجب أن تعطى الأهمية القصوى للتعليم الأولي الذي يجب أن تمارس فيه وتفعل القيم الأخلاقية والإنسانية بصفة عامة، بعيدا عن الضغط النفسي الذي يحدثه هاجس الاختبار للمتعلم منذ نعومة أظافره ،كما لا يجب أن ننسى دور“ المَسِيدِ “ الذي يساهم في تحصين الأطفال لغويا ونحويا وبلاغيا، وتمرينا للذاكرة على الحفظ و الاستيعاب . فأمام هذه الرؤى والنظريات التي يسعى المتدخلون في قطاع التربية والتعليم إعادة قطارها إلى سكته الصحيحة، نأمل أن يتم المزاوجة بين ما هو نظري وتطبيقي، في ظل حضور الغيرة الوطنية والابتعاد عن التعصب والحسابات الضيقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*



إلى الأعلى