الرئيسية / تربية و تعليم / التفاصيل الكاملة.. تقريبا.. لفضيحة “الجنس مقابل النقاط” بكلية العلوم بتطوان

التفاصيل الكاملة.. تقريبا.. لفضيحة “الجنس مقابل النقاط” بكلية العلوم بتطوان


نشرت جريدة “المساء” في عددها اليوم الثلاثاء موضوعا مطولا حول تفاصيل فضيحة “الجنس مقابل النقاط” التي انفجرت مؤخرا بكل العلوم بتطوان وكان بطلها أستاذ مادة الجبر بشعبة الرياضيات عزيز الأربعي. ونظرا لأهمية الموضوع نعيد نشره.

لا أحد بكلية العلوم بمدينة تطوان كان يتوقع أن رحاب الكلية شهدت على كل هذا الفساد الأخلاقي الذي زكمت رائحته العفنة أنف الرأي العام الوطني، وانتقل صداه إلى انحاء أخرى من العالم، مساهما في إحراج المغرب على الصعيد الإقليمي والدولي، ومكرسا الصورة النمطية التي تنقلها أقلام صحفية ومشاهد سينمائية وروايات أدبية تمس شرف المرأة المغربية وأعراض كل المغاربة.

فرغم أن القاعدة القانونية تقول “إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، فإن الرأي العام المحلي بمدينة تطوان لم يكترث لهذا المبدأ القضائي وأدان أستاذ الجبر، الذي استغل سلطته التربوية في التغرير بفتيات يافعات غادرن للتو مرحلة المراهقة، والإيقاع بهن في شباك ممارساته الجنسية المرَضية. أدانه استنادا إلى اعترافات ضحاياه من الطالبات، وإلى شهادات زملائه غير المعلنة وإلى محادثاته الفضائحية وصوره شبه الإباحية.

سوابق غير مؤكدة

المثير في قضية ما بات يعرف ب “الجنس مقابل النقط” حسب تصريحات لبعض قدماء طلبة كلية العلوم بتطوان، هو أن الوسط الطلابي بذات الكلية كان دائم الشك في سلوكات الأستاذ “ع.أ”، وفي احتمال ربطه لعلاقات مشبوهة مع بعض الطالبات. وهي شكوك زادت من قوتها حصول طالبات معروفات بين الطلبة بضعف مستوى تحصيلهن الجامعي، وبكفاءاتهن العلمية المحدودة، على نقط عالية ومفاجئة، أثارت القيل والقال بين الطلبة، وخلقت جدلا مافتئ يكبر مثل كرة الثلج، حتى وصل إلى علم جميع الفاعلين في الكلية والجامعة. لكن الكلام يبقى مجرد كلام يذهب مع الرياح، ما لم يثبت بالحجج والبراهين. وظلت سمعة الأستاذ السيئة تسبقه أينما حل وارتحل، رغم محاولاته تلميعها بتأسيسه لنادي سينمائي بالكلية، أتبعه بناد فني ورياضي عرفا عزوفا، أو بالأحرى مقاطعة من غالبية الطلبة إلى أن جُمدت أنشطتيهما بقوة الأمر الواقع.

ويؤكد قدماء الطلبة الذين درسوا بالكلية في الفترة ما بين 2011 و2015، أنهم حاولوا، بوسائلهم الشخصية إيجاد دليل على قيام الأستاذ بمقايضة طالباته النقط العالية بالجنس، لكنهم لم يفلحوا في مسعاهم نظرا لحرص الطالبات على كتمان مغامراتهن الجنسية مع أستاذهن، صونا لسمعتهن من الفضيحة وحماية ل”مصداقية” نتائجهن في الامتحانات وشهاداتهن الجامعية.

قنبلة المحادثات المسربة

تفجرت فضيحة “الجنس مقابل النقط” يوم الخميس 27 أبريل الماضي، على إثر إنشاء طالبة، لم تذكر هويتها، لصفحة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أطلقت عليها اسم “لا للاستغلال..لا لاستغلال الطالبات جنسيا” نشرت بها محادثات ساخنة ذات مضمون جنسي بحت، كانت تجري بين الأستاذ وبعض طالباته، اتضح فيها مقايضته لطالباته بمنحهن نقطا عالية في اختبارات المادة التي يدرسها مقابل قبولهن ممارسة الجنس معه بطرق وأشكال يتم الاتفاق عليها مسبقا. وأرفقت الطالبة مفجرة الفضيحة هذه المحادثات “الساقطة” بصور شبه عارية للأستاذ المعني تظهره في أوضاع مخلة.

وأعلنت الطالبة في صفحتها “الفضائحية” التي أنشأتها، أنها قررت الخروج عن صمتها بعد حصولها على الإجازة بعد أربع سنوات من الدراسة بكلية العلوم بتطوان، وهي فترة وصفتها ب” المشؤومة “.

وكشفت ذات الطالبة عن معطيات دقيقة تصف الأمكنة التي كان يلتقي فيها الأستاذ بطالباته لتلقيهن “الدروس الخصوصية جدا”، وهي مكتبه ب “الحرم” الجامعي، وشقته بمدينة مرتيل، بالإضافة إلى شقته بمدينته طنجة.
وفي نفس التدوينة المشهورة، حملت الطالبة مسؤولية الفضيحة أيضا للطالبات المشاركات فيها، متهمة إياهن بالنزول عند رغبات الأستاذ برضاهن طمعا في درجة مميزة في الامتحانات.

واعتبرت الطالبة نفسها شاهدة على وقائع كثيرة من هذه الفضيحة، وعلمها بالمغامرات الجنسية للعديد من الطالبات، مؤكدة أنه توجد بينهن متزوجات.

وهمت صور المحادثات الحميمية المسربة فترات متقطعة، موزعة على ثلاث سنوات بين سنتي 2013 و 2015، فيما قدرت عدد الصور المتبادلة بين الأستاذ وطالباته 57 صورة، 42 منها هي صور شخصية للأستاذ.

بداية الاحتجاج

ومباشرة بعد انتشار خبر التدوينة “القنبلة” التي تداولها الطلبة فيما بينهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتنتقل بسرعة إلى صفحات الجرائد الوطنية، دعا ممثلو الطلبة بكلية العلوم بتطوان عميد الكلية إلى اجتماع عاجل لبحث حيثيات الفضيحة وموقف عمادة الكلية منها. فاستجاب العميد بسرعة لطلب ممثلي الطلبة، وعقد معهم اجتماعا يوم الجمعة 29 أبريل استمع فيه إلى احتجاجاتهم على الواقعة، ثم إلى مطالبهم بمعاقبة الأستاذ المعني.

وخرج الطلبة من الاجتماع بوعود من عميد الكلية بإنزال أقصى العقوبات في حق الأستاذ لو ثبتت الاتهامات الموجهة إليه، والتي قد تصل إلى الطرد من الجامعة والعزل من سلك الوظيفة العمومية.

وهي التصريحات التي نقلها ممثلوا الطلبة حرفيا وضمنوها في بلاغ عاجل، انتشر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، لكونه شكل حينها أول رد فعل رسمي من جهة مسؤولة على الفضيحة.

ومن تم، اشتعلت شرارة احتجاجات طلابية عارمة تنوعت بين وقفات احتجاجية ومسيرات داخل فضاء الجامعة وحلقيات نقاش أجمع فيها المتدخلون على ضرورة معاقبة الأستاذ ومحاسبة كل المسؤولين المتسترين عنه.

ولم يقتصر الاحتجاج الطلابي على ردهات الكلية، بل نقله الطلبة إلى شوارع تطوان مساء الأربعاء الثالث من شهر ماي الجاري، فاحتشد المئات من الطلبة في مسيرة صامتة انطلقت من كلية العلوم، وجابت شوارع مدينة تطوان وصولا إلى ساحة مولاي المهدي وسط المدينة، حيث انتظم الطلبة في وقفة احتجاجية حاشدة وحضارية ومسؤولة لم تشهد أية انزلاقات من أي نوع، رددوا فيها شعارات قوية تطالب الوزارة الوصية بطرد الأستاذ المعني من الكلية وعزله من سلك الوظيفة العمومية.

وكان الغضب الطلابي بالوقفة الاحتجاجية واضحا من خلال انفعالاتهم الجلية أثناء ترديد الشعارات المنددة بجميع أشكال الفساد في الكلية، والمستنكرة لصمت رئاسة الجامعة والوزارة الوصية على القطاع رغم قوة دوي الفضيحة الذي وصل صداه إلى العالم العربي وأوروبا، ونقل صورة قبيحة عن الطالبات والأساتذة المغاربة على حد سواء.

صرامة القضاء

وما ميز هذه الفضيحة المجلجلة، هو التفاعل الإيجابي والمبكر للوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمدينة تطوان، الذي أمر منذ اليوم الثاني من انتشار التدوينة “القنبلة”، بفتح بحث عاجل حولها،
رغم عدم توصل مصالح الشرطة القضائية، ولا النيابة العامة بأية شكاية رسمية في هذا الشأن. لكن النيابة العامة، بادرت، وفقا لصلاحياتها القانونية، بصفتها ممثلة للحق العام، بفتح تحقيق معمق لكشف ملابسات الاتهامات الموجهة إلى هذا الأستاذ، سيما بعد الآثار المزلزة لهذه الفضيحة التي لطخت سمعة التعليم العالي بالمغرب وطنيا ودوليا.

وتنفيذا لأوامر النيابة العامة، انكبت عناصر الشرطة القضائية، مدعومة بزملائها من الشرطة الإلكترونية، على جرد أسماء الطالبات المعنيات بالمئات من المحادثات المقرصنة من الحساب الرسمي للأستاذ (ع.أ)، في محاولة للتوصل إلى هوياتهن، مع صعوبة ما يمثله ذالك بسبب إنشاء عدة طالبات لحسابات بأسماء مستعارة ودون اعتماد أرقام هواتفهن، فضلا عن سكن عدد كبير من الطالبات المعنيات في مدن بعيدة، وكثيرات منهن غادرن مدرجات الدراسة بالكلية بعد حصولهن على إجازاتهن أو دونها.

وبعد ثلاثة أيام من التحريات الإلكترونية، التي عرفت متابعة وإشرافا آنِيَيْن من طرف الوكيل العام للملك شخصيا، نجحت عناصر الشرطة القضائية في التوصل إلى هوية إحدى الطالبات، ليتم استدعاؤها للاستماع إليها من طرف المحققين بمقر ولاية الأمن بمدينة تطوان.

وانهارت الطالبة الشابة البالغة من العمر 19 سنة، بسرعة أمام رجال الأمن، بعد محاصرتها بنتائج البحث التقني والمعلوماتي التي كشفت صلتها بالفضيحة، عقب ورود رقمها التعريفي بالكلية في إحدى محادثاتها ذات الطابع الجنسي مع أستاذها، تبين فيها بكل وضوح “تفاوض” الأستاذ مع الطالبة حول شكل الممارسة الجنسية المتفق بشأنها مقابل درجة عالية في امتحان مادة الجبر.

وبدت على الطالبة القروية اليافعة علامات السذاجة وقلة التجربة في الحياة، حيث تأثرت كثيرا وأجهشت بالبكاء وهي تحكي للمحققين كل تفاصيل علاقتها بالأستاذ وعلاقته ببعض الطالبات الأخريات، اللائي كشفت عن هوياتهن وعناوينهن، وروت لهم كيف نصب شراكه حولهن مستغلا سلطته التربوية عليهن، لدفعهن للرضوخ لرغباته الجنسية المَرَضية.
بعد ذالك استدعت الشرطة طالبتين أخرتين، واستمعت إليهما، فأكدتا كل المعطيات التي أوردتها الطالبة الأولى، والموافِقة لما جاء في التدوينة “الفيسبوكية” الأولى. وتقاطعت الظروف الاجتماعية للطالبات الثلاثة في الهشاشة وضيق ذات اليد، ما جعلهن تتأثرن نفسيا جراء ظروفهن الصعبة، وانعكس ذالك على مستوى تحصيلهن العلمي فكانت درجاتهن في الاختبارات ضعيفة.

ورغم اعترافاتهن التفصيلية للضابطة القضائية، أصرت النيابة العامة على اعتبار الطالبات، بفضل تعاونهن مع التحقيق، ضحايا في القضية.

واستنادا على أقوال الطالبات المستجوبات، وبعد مطابقة أقوالهن لمضامين المحادثات المسربة وللمعطيات الرقمية المتوفرة لدى إدارة الجامعة، أمرت النيابة العامة باستدعاء الأستاذ المتهم هاتفيا، غير أنه، مباشرة بعد تلقيه اتصال الشرطة القضائية، غادر الأستاذ (ع.أ) مقر إقامته وأغلق هاتفه النقال فيما اعتبرته النيابة العامة محاولة للفرار، فأمرت بإغلاق الحدود في وجهه، وسجلت مذكرة بحث وطنية في حقه. لكن عناصر الشرطة القضائية التابعة لولاية الأمن بتطوان نجحت، زوال الجمعة الماضي، وفي تنسيق تام مع النيابة العامة بمدينة طنجة ونظيراتها بذات المدينة، في الإيقاع بالأستاذ الذي اتخذ من منزل والديه مخبأً له.

وتنفيذا لأمر التفتيش الصادر عن الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمدينة تطوان، رافق رجال الشرطة الأستاذ الموقوف إلى منزله بغرض تفتيشه، فحجزوا به على عدد كبير من أوراق الامتحانات المصححة خاصة بالمادة التي يدرسها.

وعند فحصها الأولي، وفي انتظار بحث تفصيلي بالاعتماد على خبرة علمية، تبين لرجال الشرطة أن بعض أوراق الامتحان تحمل درجات عالية رغم كونها شبه فارغة وغير متضمنة لعناصر الإجابة.

تردد الإدارة

باستثناء الخروج الإعلامي القوي لعميد كلية العلوم بتطوان منذ اليوم الثاني من انتشار الفضيحة، أثناء اجتماعه مع تمثيلية طلابية، حين أعلن عن انعقاد اللجنة العلمية بالكلية والمختصة في اقتراح العقوبات التأديبية في حق الأساتذة المخلين بالنظام العام أو بأخلاقيات المهنة، الثلاثاء ثاني ماي الجاري، متعهدا للطلبة بعدم التساهل مع الأستاذ في حال ثبتت الاتهامات الموجهة ضده، حتى وإن اقتضى الأمر طرده من الكلية، فإن باقي المسؤولين الإداريين بالجامعة وممثلي الهيئات النقابية وأساتذة الكلية، كلهم تريثوا كثيرا في تحديد موقفهم من الفضيحة، ومنهم من دافع نسبيا عن الأستاذ، مثل رئيس الجامعة الذي خرج بتصريح إعلامي، بعد أن طال صمته، يؤكد فيه على أن الأستاذ بريء حتى تثبت إدانته، وملمحا على ضعف الحجج المتوفرة ضده وقتها حين قال إن “القضية كلها ترتكز فقط على صور محادثات “فيسبوكية” “.

وحتى عند انعقاد اجتماعها يوم الثلاثاء ثاني ماي، قررت اللجنة العلمية بكلية العلوم بتطوان تأجيل النظر في اقتراح نوع العقوبة الإدارية التي يستحقها أستاذ مادة الجبر المشتبه فيه في ابتزازه لطالباته جنسيا والتلاعب في درجات الامتحانات، إضافة إلى تسريب أطوار المداولات بين الأساتذة. وقررت اللجنة المكونة من ستة أساتذة منتخبين ورئيس شعبة الرياضيات بذات الكلية والعميد، منح نفسها أسبوعا إضافيا لدراسة وثائق ملف الأستاذ المعني بتمعن، والتي كانت مكونة من عشرات النسخ للمحادثات الشخصية والحميمية التي يشتبه أن الأستاذ المعني أجراها مع بعض طالباته، وهي نفسها المتداولة على نطاق واسع على شبكات التواصل الاجتماعي.

وخرج الأساتذة المكونون لهذه اللجنة بموقف غير معلن أعربوا فيه عن خيبة أملهم لأنهم توقعوا أن عميد الكلية يتوفر على وثائق أخرى بينة يمكنهم الاستناد إليها للاقتناع أولاًّ بتورط الأستاذ في القضية، ثم في تدارس شكل العقوبات التأديبية التي ستقترحها على اللجنة المتساوية الأعضاء برئاسة الجامعة، وهي الهيئة الرسمية المخول لها تقرير العقوبات في حق الأساتذة المخالفين لقوانين الكلية أو المتورطين في انحرافات أخلاقية أو مهنية.

وعابت مصادر من الكلية على رئاسة الجامعة، برودها في تعاطيها مع هذه القضية الخطيرة والمزلزة، حتى أن رئيس الجامعة لم يكلف نفسه عناء الاجتماع بالطاقم الإداري أو البيداغوجي بالكلية، مسرح الفضيحة، مكتفيا بالاتصالات الهاتفية، كما أنه لم يلتق أبدا بعميد الكلية ولا مرة واحدة طيلة الأيام العشرة على انتشار الفضيحة، رغم تواجد مقر رئاسة الجامعة بمدينة تطوان حيث تتواجد كلية العلوم.

والأمر الآخر المثير في هذه القضية، هو التزام المصالح المركزية بالوزارة الوصية على القطاع الصمت المطبق حيال هذه الفضيحة المدوية، رغم تداعياتها الخطيرة وطنيا ودوليا، ورغم تطور سير التحقيق الذي يتجه آلى اتهام الأستاذ مباشرة بالابتزاز الجنسي واستغلال النفوذ وإفشاء أسرار المهنة وهتك عرض، في انتظار ما قد ينضاف على عاتقه من تهم مع توالي الاستماع إلى شهادات ضحاياه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى