آخر الأخبار
الرئيسية / نوافذ / استفيقوا.. فهذه البلاد المسكينة لا تتحمل كل هذا العبث!

استفيقوا.. فهذه البلاد المسكينة لا تتحمل كل هذا العبث!


طنجة أنتر:

مصطلح “الاستثناء المغربي” الذي يردده الكثيرون هذه الأيام بمناسبة ومن دون مناسبة، يعني أن هذه البلاد جنة وسط الجحيم، أو على الأقل بلد ينعم بالأمن والأمان وسط محيط من التسيب والحروب والفوضى، لكن الذين يروجون هذا المصطلح لا يفهمون أن الأمن شامل في مبناه ومعناه، وأول ما يحسه مواطن تعرض في واضحة النهار لاعتداء بالسيوف هو الرغبة في البصاق على وجوه من يروجون لهذا المصطلح.

الذين يروجون هذا المصطلح يجب أن يقنعوا به أولئك الأطفال والشيوخ المقصيين في الجبال الذين يرتعدون بردا هذه الأيام كأنهم لا ييعشون في “بلد الاستثناء”، وعليهم أن يقنعوا به، أيضا، تلميذا لم يجد مقعدا في مدرسة، وحتى إن وجده فإنه يكتفي بوضع نصف أو ربع مؤخرته على المقعد المستطيل والممتلئ ببؤساء مثله. وعليهم أن يقنعوا به ملايين الأميين ومئات الآلاف من النساء الحوامل اللواتي لا يجدن فراشا في مستشفى وملايين المرضى الذين يعرقون وينشفون من أجل الحصول على موعد لإجراء عملية جراحية مستعجلة.

الاستثناء المغربي ليس فقط أن يختلف الوضع في المغرب عن الوضع في سوريا ومصر واليمن وما سواها، بل الاستثناء الحقيقي هو أن نكون مستقرين في أشياء كثيرة، وأهمها أن يتوقف اللصوص الكبار عن النهب، وأن يسير هذا البلد نحو تنمية حقيقية، وأن نكتب تاريخنا كما هو فعلا وليس كما يروّجه عشاق الغيطة، وأن نكون استثناء حقيقيا في مدارسنا ومستشفياتنا وإداراتنا وانتخاباتنا وأخلاقنا وسلوكاتنا وكل أشيائنا الأخرى.

الاستثناء المغربي هو أن تتشكل حكومة جديدة بضعة أيام بعد الانتخابات، لأن ما يحدث اليوم يشي بأننا نعيش درجة مرتفعة من الفوضى. فبعد انتخابات سابع أكتوبر الماضي كان يجب احترام الذين شاركوا في الانتخابات وترك الحكومة تتشكل بسلاسة مثلما يحدث في كل بلاد العالم، لكن ما يحدث اليوم هو إهانة للجميع، إهانة للذين صوتوا على حزب العدالة والتنمية وعلى الذين صوتوا على الأصالة والمعاصرة وعلى كل الذين شاركوا في الانتخابات مهما كانت طبيعة ولاءاتهم الحزبية.

ما يحدث اليوم هو أن الذين لا يشاركون في الانتخابات ويعتبرونها لعبة فجة هم الذين انتصروا، لذلك يفركون أيديهم فرحا ويقولون “ألم نكن لكم من الناصحين”؟ وهم محقون في ذلك لأن هذا العبث عصي على الفهم، لأن ما يجري هو لعب صبيان لا علاقة له بأي نوع من السياسة، بل لا علاقة له بالمنطق أصلا، لأنه إذا تعذر فعلا تشكيل الحكومة فالضرورة تقتضي التوجه رأسا نحو انتخابات جديدة أو تشكيل حكومة أقلية وليس إغراق البلد في العبث وتضييع وقت الشعب، مع أنه لم يعد للشعب وقت أصلا حتى يضيع.

بنكيران الذي يدور اليوم في الناعورة، نفذ طوال الخمس سنوات الماضية كل ما طلبوه منه، بل إنه نفذ كل القرارات اللاشعبية التي لو نفذها رجل غيره لقامت القيامة، لكن كل ذلك لم يشفع له. بل إنه جعل من نفسه قنطرة عبور انتحارية من زمن الحراك العربي نحو ما يسمى الاستثناء المغربي، ومع ذلك يريدون تفكيكه وإعادته إلى ا”الكاراج” مثل كل القناطر العابرة التي ينتهي دورها بمجرد نهاية الحاجة إليها.

لكن ما يحدث الآن يعتبر بنكيران مشاركا فيه بنسبة كبيرة. لقد أساء الفهم حين اعتقد أنه لن يقع له ما حدث لعبد الرحمان اليوسفي، الذي استعملوه مثل أي قنطرة حرب يتم نصبها فوق نهر هائج ثم العبور فوقها وتركها لمصيرها أو تفكيكها بسرعة وإعادتها للمخزن.

هل يحق لبنكيران أن يغضب مع أنه يعرف أصول اللعبة، أو أصول وقواعد “الاستثناء المغربي”؟! هل يحق له أن يفاجأ بما يجري ويتباكى على هذا الواقع مع أن لا أحد مثله يفهم الواقع المغربي؟

منذ أن كان بنكيران يعمل من أجل إسقاط النظام، وانتهاء بمرحلة تفانيه في خدمة النظام، فإنه فهم أشياء كثيرة جداً لا يفهمها الكثيرون. وأهم حكمة فهمها بنكيران هي أن هذه البلاد تسير بنظرية واحدة وهي نظرية “إما أن تكون معي أو ضدي”، ولا مجال لحل ثالث، لهذا يجب عهلى بنكيران أن ينسى الحل الثالث الذي يحاول فيه التوفيق ما بين النقيضين. ويبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي يجب ان يكون نموذجا يحتذى لبنكيران ولحزبه عموما. فبعد تجربة اليوسفي فيما يسمى حكومة التناوب، فهم جيدا نظرية “معي أو ضدي”، لذلك عوض أن يختار الاتحاد الاشتراكي نهج الطريق الثالث فإنه قرر التحول إلى الجنس الثالث، وها هو زعيم الاتحاديين ينقاد مثل أي طفل غرّ لكل من يمسك بيده ويناوله قطعة حلوى.

نقول باستمرار إن الديمقراطية المزيفة أسوأ بكثير من الدكتاتورية، لأن الدكتاتورية تخيف لوقت محدود وتشيع الظلام لفترة معينة ثم تبزغ الشمس، بينما الديمقراطية المزيفة تشيع الظلام في العقول وتقتل الأمل في النفوس بحيث لا يعود الناس يؤمنون بأي صبح قريب، ولا نقول هذا بسبب ما يجري حاليا حول حكومة بنكيران، بل بسبب ما جرى ويجري في هذه البلاد منذ ما يسمى الاستقلال وإلى اليوم.
استفيقوا.. فهذه البلاد المسكينة لا تتحمل كل هذا العبث!
عبد الله الدامون (المساء)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى