الرئيسية / مجتمع / استئنافية طنجة.. خليط من الازدحام والسماسرة والفرح والحزن

استئنافية طنجة.. خليط من الازدحام والسماسرة والفرح والحزن



طنجة أنتر:

صراخ وعويل… فرحة وزغاريد… مشاهد متناقضة تعيشها بين الفينة والأخرى فناءات وقاعات محكمة الاستئناف بطنجة، التي يقصدها يوميا مئات المتقاضين وأسرهم، بعضهم يخرج منها شاحبا حزينا يمسح الدموع وهو يهرول نحو بيته يحمل ألف هم وهم، والبعض الآخر تراه يسير بخطى مسرعة والابتسامة تغمر محياه من شدة الفرح والابتهاج…

تعتبر محكمة الاستئناف بطنجة، من بين محاكم المملكة التي ارتفع فيها، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، عدد الجلسات القضائية إلى مستويات قياسية، إذ وصل متوسط القضايا الجنائية إلى أزيد من 300 قضية في الأسبوع، موزعة بين الغرفتين الأولى والثانية، منها 30% تتعلق بالهجرة السرية، والباقي يتوزع بين جرائم القتل وتكوين عصابات إجرامية والاتجار الدولي في المخدرات والاغتصاب والسرقة الموصوفة والنصب والاحتيال وغيرها… فيما يفوق عدد الملفات الجنحية 700 قضية في الأسبوع، بما فيها حوادث السير.

وبحسب الحصيلة المقدمة خلال الافتتاح الرسمي للسنة القضائية الجديدة (2019)، فإن استئنافية طنجة عرفت في السنة الماضية (2018) ارتفاعا في نسبة الأحكام التي وصلت إلى 84% من القضايا الرائجة، منها 10 آلاف و244 قضية زجرية بنسبة 104%، و5 آلاف و159 حكما مدنيا بنسبة 106%، وهي أرقام تعكس مدى اتساع هذه الدائرة الاستئنافية، المشكلة من ابتدائية طنجة ومحاكم العرائش والقصر الكبير وأصيلة.

إجراءات صارمة
عادة ما تكون الساعة التاسعة صباحا موعدا لاستقبال المتقاضين وعائلات المعتقلين باستئنافية عاصمة البوغاز، إذ بمجرد فتح الباب الرئيسي للمحكمة ترى مئات من المواطنين والمواطنات يتسابقون لحجز مقاعد بداخل إحدى القاعات الخمس، وبالأخص القاعة 2 والقاعة3، اللتين تحضنان جلسات القضايا الجنائية.

فجميع الزوار الراغبين في ولوج حرم المحكمة يخضعون لإجراءات أمنية تشمل المرور عبر جهاز الكشف عن المعادن ووضع كل الأغراض الشخصية في آلة المسح بالأشعة السينية. وفي بعض الأحيان يشمل التدقيق الأمني تفتيشا جسديا يجريه أحد موظفي الأمن العمومي، المخول لهم القيام بذلك ويحق لهم منع دخول الأشخاص الحاملين لأمتعة غير اعتيادية أو مشبوه فيها، وكذا آلات التصوير وأجهزة التسجيل الصوتية أو البصرية، بمن فيهم الصحافيون والإعلاميون، المطالبون بترخيص خاص من الرئاسة.

ومن العادات الصباحية لبوشعيب محب الرئيس الأول للمحكمة، القيام بجولات استطلاعية لفضاءات قصر العدالة وقاعاته، من أجل تتبع السير العادي للمحكمة وملاحقة المتطفلين والسماسرة الذين تجدهم يتربصون بالمتقاضين للاحتيال عليهم، بادعائهم القدرة على التدخل في بعض الملفات المعروضة على القضاء، سيما أن هذه الظاهرة تفاقمت في السنوات الأخيرة وأصبحت الوجه البارز والسمة الطاغية بكل المرافق القضائية بالمملكة بدون استثناء.

قاعة الجلسات كاملة العدد
رغم الإجراءات التي تتخذ لتخفيف الضغط وتحقيق الهدوء ببهو المحكمة وداخل قاعاتها، تبقى ظاهرة الاكتظاظ من الأسباب التي تؤثر بشكل واضح على السير الحسن للجلسات، لاسيما بالقاعتين 2 و3 المخصصتين للجنايات، اللتين تمتلئان غالبا عن آخرهما، وتمارس بداخلهما جملة من السلوكات التي تخل بالنظام العام للجلسات، رغم مطرقة القضاة وتنبيهاتهم المتكررة لردع بعض الحاضرين وثنيهم عن الحديث أثناء الجلسة واستعمال الهواتف المحمولة، ما يقلل من انتباه القضاة وتجدهم في بعض الأحيان مركزين على الجمهور ويؤدون أدوار حراس الأمن.

وبحسب عدد من المحامين، فإن مسألة الاكتظاظ ناتجة عن عدم تشديد الحراسة عند المدخل، والسماح لكل من هب ودب الدخول إلى قاعات المحاكمة دون التوفر على استدعاء للحضور، مبرزين أن أغلب المتقاضين يصحبون معهم معارفهم وأبناء حيهم من أجل المؤازرة والتضامن، وهو ما تنتج عنه في كثير من الأحيان اصطدامات ومعارك بمحيط المحكمة.

قضايا مثيرة
نقاشات ساخنة تشهدها عادة القاعة رقم 3، وهي القاعة المخصصة للبت ابتدائيا في الملفات الجنائية، إذ تستقطب كل ثلاثاء وخميس جمهورا غفيرا من المواطنين والمصرحين، بعضهم يتكبد عناء السفر من مدن ومناطق بعيدة لمتابعة أطوار جلسات بعينها، خاصة التي يكون أبطالها متورطين في جنايات تكوين عصابات إجرامية والقتل والاغتصاب والاعتداء على المواطنين والسرقة الموصوفة…

ومن بين القضايا المثيرة التي شهدتها القاعة رقم 3، اعتقال أحد الشهود في قضية جنائية تتعلق بالقتل العمدي، التي راح ضحيتها شيخ سبعيني كان فقيها متطوعا بمسجد “القدس” بالقصر الكبير.

واعتقل الشاهد، الذي يبلغ من العمر 60 سنة ويعمل حارسا ليليا بالحي الذي وقعت به الجريمة، بعد أدائه اليمين القانونية وتراجعه عن تصريحاته المضمنة في محضر الضابطة القضائية والمدلى بها أمام قاضي التحقيق، التي أكد فيها مشاهدته أطوار الجريمة وتعرفه على الفاعل، إلا أنه نفى ذلك أمام الهيأة لتأمر باعتقاله وفقا للفصل 425 من القانون الجنائي ومتابعته بتهمة “شهادة الزور”.

صرامة قاض
لا مكان للعاطفة في قلب القاضي عبد اللطيف الغمري، رئيس غرفة الجنائيات الأولى بمحكمة الاستئناف، المعروف بقوة شخصيته وصرامته في فرض القانون والاحترام داخل قاعة الجلسات، بالإضافة إلى قراراته القاسية والمشددة، التي تصل إلى الإعدام والمؤبد وعشرات السنين في حق المجرمين المتورطين في قضايا القتل العمد والاختطاف والاغتصاب والاعتداء على المواطنين…

فالقاضي الغمري لا يعرف الكلل أو الملل في البت في مئات الملفات المعروضة أمامه، التي يديرها بحكمة واحتراف، إذ في الوقت الذي يبدو فيه التعب على محيا المتقاضين ودفاعهم لا يقوم برفع الجلسة، بل تجده يزداد حماسا بحثا عن الحقيقة لإحقاق العدالة وإصدار أحكام منصفة. ومن خلال تتبعك للجلسات التي يترأسها الغمري، فلا بد أن يثير انتباهك الصمت المطبق داخل القاعة، نتيجة خوف الحضور من غضبه، إذ لا يقبل بتاتا التشويش على السير العادي لجلسة المحاكمة، سواء بالهمس أو رنين الهاتف، إذ تجده يصرح بصوت عال ويوجه كلمات شديدة اللهجة للمخالفين، قد تصل في بعض الأحيان إلى طردهم من القاعة.
عن “الصباح”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى