الرئيسية / نوافذ / أوراق من التاريخ: عقبة بن نافع

أوراق من التاريخ: عقبة بن نافع


أرشيف

ولد عقبة بن نافع الفهري قبل الهجرة بسنة ونشأ نشأة صالحة في بيت والده الذي أسلم مبكرا، وحين بلغ مبلغ الرجال انخرط في حملات عمرو بن العاص، الذي قيل في بعض الروايات إنه ابن خالته.

في فتح مصر ظهرت عبقرية عقبة العسكرية، فولاه عمرو بعض المهام الحربية، وأثناء عودته من  برقة بعد فتحها لم يجد واليا أفضل منه ليسند إليه إدارة شؤونها لما عرف عنه من نبوغ وعلو همة، ومع أن جيش عمرو يومها كان يعج بالأبطال والقادة العظام إلا أن عمرو كان يختاره للكثير من المهام الشاقة، وهكذا سيضعه على رأس الفرق الاستطلاعية التي ستعمل على تعبيد الطريق أمام الجيش الإسلامي نحو شمال إفريقيا من جهة، ونحو بلاد النوبة من جهة أخرى.

ظل عقبة واليا على برقة طيلة فترة حكم عثمان بن عفان، وكان من الذين اعتزلوا الفتنة التي شجرت بين الصحابة بعد مقتل الخليفة عثمان.

وفي عام 41هـ وجهه معاوية بن أبي سفيان في حملة جديدة لمواصلة الفتح الإسلامي بالشمال الإفريقي فضم إلى البلاد الإسلامية كلا من ودان وجرمة وقصور خاوارا وفتح لواتة ومزاتة وغدامس، وفي عام 51هـ اختط مدينة القيروان لتكون قاعدة لانطلاق الجيوش الإسلامية في فتوحاتها نحو الشمال، وبها سيبني جامع القيروان الأعظم، الذي سيتحول إلى منارة عظيمة خَرّجت أفواجا من العلماء الذين بصموا التاريخ الإسلامي في الشمال الإفريقي بأعمالهم الجليلة.

ومما ينسب من الفضل لهذا الجامع العظيم أنه كان سببا رئيسا في تعريب الشمال الإفريقي، خاصة بعد أن خصصت به حلقات لتدريس العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية وآدابها.

ولم تتعد ولاية عقبة على القيروان خمس سنوات، أي الفترة الممتدة ما بين 50 هـ  و 55 هـ، حيث سيعزله الخليفة معاوية فترة من الزمن، لكن ولده يزيد سيعيده إلى إفريقية واليا عام 62 هـ ليواصل فتوحاته.

وفي هذه الحملة ستصل قواته إلى حدود المغرب الأقصى، وفي مدينة تاهرت ستجتمع عليه جحافل الروم لإيقاف زحفه فوقف خطيبا في رجاله، وكان خطيبا مفوها. ومما جاء في خطبته العصماء تلك «إنكم لم تبلغوا هذه البلاد إلا طلبا لرضا الله وإعزازا لدينه فأبشروا فكلما كثر العدو كان أخزى لهم وأذل إن شاء الله، وربكم عز وجل لا يسلمكم، فالقوهم بقلوب صادقة، فإن الله جعلكم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقاتلوا عدوكم على بركة الله وعونه”.

وما إن أنهى خطبته حتى سرت الحمية في جنوده فوثبوا نحو الموت دون تردد ولا وجل. ومع أن الرومان يومها كانوا يقاتلون على أرضهم إلا أن عقبة تمكن من هزيمتهم هزيمة نكراء، وسار بعد ذلك إلى طنجة ومنها إلى السوس الأدنى حيث سيفتح بلاد الأطلس المتوسط بعد عناء شديد بسبب وعورة تضاريسها، ثم سينتقل بعدها إلى تافيلالت وبلاد صنهاجة وهسكورة، ومعظم سكان هاته المناطق دخلوا في  دين الإسلام دون مواجهة مع جيش عقبة، ثم رحل إلى قبائل جزولة وفتح ماسة وزحف من هناك إلى أن وصل إلى المحيط الأطلسي وعلى مشارف المحيط سيقول قولته الخالدة: «يارب لولا  البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك حتى لا يعبد أحد دونك”.

إضافة إلى أعماله الجهادية سيشرف عقبة على بناء الكثير من المساجد كمسجد درعة ومسجد ماسة بالسوس الأقصى، وقد ترك في هذه المساجد مجموعة من أصحابه ليعلموا الناس أمور دينهم، ومن هؤلاء شاكر صاحب الرباط الموجود بين مراكش وموكادور المعروف باسم «سيدي شاكر»، وقد حرص عقبة أن يولي على معظم البلاد التي فتحها أمراء من نفس البلاد ليطمئنوا إلى أنه ورجاله لا يبحثون عن عرض من أعراض الدنيا وأن همهم نشر الإسلام لا غير.

كان عقبة في حملته الأخيرة قد أحس بدنو أجله فجمع أولاده حوله وكان مما قال لهم في وصيته الأخيرة «إني قد بعت نفسي من الله عز وجل … ولست أدري أتروني بعد يومي هذا أو لا».

وكذلك كان فأثناء عودته من المغرب الأقصى نحو القيروان وقع في كمين نصبه له «كسيلة « ورجاله، وقد كان من عادة عقبة أن يسير في مقدمة الجيش أثناء الغزو وأن يلزم ساقته عند الرجوع معرضا نفسه للمخاطر والهلاك، وهكذا لم يبق حوله أثناء رحلة العودة غير ثلاثمائة فارس بينهم مجموعة من الصحابة والتابعين، وكان كسيلة قد أسلم قبل هذا الوقت، لكن خلافا نشب بينه وبين عقبة أوغر صدره عليه فجمع له خمسين ألف مقاتل بمساعدة الجيوش الرومانية وأغار عليه فقتله بمعية أصحابه بعد أربعين عاما من الفتوحات المتواصلة، وكان مقتله عام 63هـ بمكان يقال له «تهوذة”.

عن جريدة “المساء”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تعليق واحد

  1. ورد في مقالكم أن الرومان كانوا يقاتلون على أرضهم.. (…وما إن أنهى خطبته حتى سرت الحمية في جنوده فوثبوا نحو الموت دون تردد ولا وجل. ومع أن الرومان يومها كانوا يقاتلون على أرضهم…) وهذا خطأ
    فالرومان لم يكونوا أصحاب الأرض يوما.. بل قل البربر

إلى الأعلى